لأول مرة اسماعيل الساسي يحكي تفاصيل اغتيال عباس المساعدي في حوار مع «العالم الأمازيغي»

اسماعيل الساسي: قتل لمساعدي من ورائه عدة أطراف والقضية مرتبطة بجيش التحرير في تطوان

قدم عدد من المؤرخين معطيات حول اغتيال عباس لمساعدي القائد البارز في جيش التحري، لكن هذه المعطيات فيها الغث وفيها السمين، جريدة «العالم الأمازيغي» ونظرا لأهمية الموضوع استمعت إلى أحد الشخصيات البارزة للتقاسم مع الرأي العام حقائق حامت حول تشابك الخيوط في مقتل لمساعدي ولتقارب  أيضا العديد من الأسئلة العالقة والتي تحتاج إلى أكثر من حوار، منها كيف اختطف عباس في فاس وسفره إلى القاهرة وعلاقته بعبد الكريم الخطابي وعدد من القضايا الأخرى المرتبطة بحياة هذا القائد....

هل جيش التحرير نموذج وكيف تم تأسيسه وماهي الظروف التي تم تأسيسه فيها ومن هم الفاعلون في هذا التاسيس؟

تأسس جيش التحرير المغربي في الناظور من طرف المقاومين الذين سبقوا لهم أن قاوموا في الدار البيضاء حيث بدأت المقاومة في السرية، وبعد أن بدأ الجيش الفرنسي يكتشف وجوده بدأ المقاومون يهربون إلى الشمال بطرق منظمة، بعد أن قدمت لهم اسبانيا المساعدة، اسبانيا لم تكون ضدنا في الاستقلال، وعلى الجميع أن يعرف هذه المسألة التاريخية، خصوصا غارسيا بارينو، المقيم العام الأسباني في المنطقة الشمالية، كل المقاومين الذين يهربون كانوا يأتون للشمال، وقاموا بإنشاء مراكزهم في العرائش والقصر وتطوان، وهناك بدؤوا يجتمعون، وقاموا بإنشاء قيادة خاصة بالمقاومين الفارين في الشمال، معهم شخصيات من طنجة، أذكر منهم عبد اللطيف بنجلون وعبد الكبير الفاسي ومجموعة أخرى، التقوا في تطوان وبدؤوا يتحدثون عن المقاومة ويرسلون بعض الأسلحة للمقاومة في الجنوب لإغاثة المقاومين الذين يفرون، وهنا بدأت تتشكل في أنفسهم فكرة تأسيس جيش التحرير.

هل كان عباس لمساعدي من بين هولاء؟

نعم كان في تطوان، وهو أيضا من الفارين من الدار البيضاء، شخصيا لا أعرف بالضبط الخلية التي كان يوجد به عباس لمساعدي، كل ما أعرفه هو أنه كان لاجئا في تطوان، وبدأت فكرة تأسيس جيش التحرير تروج، من بين اللاجئين هناك بعض الشخصيات السياسية لا تحبذ فكرة جيش التحرير لسبب وجيه هو أن جيش التحرير وبطبيعة الحال في الثورات كلها، إن تكون في البوادي خاصة انتهت السياسة، وسيصبح جيش التحرير هو المسيطر وهذا ما كانوا يرفضونه، عبد الله الصنهاجي وعباس المساعدي كانوا متحمسين جدا لتأسيس جيش التحرير، لا أدري ما وقع في تطوان آنذاك ولما جاؤوا إلى الناظور .

هل يمكن أن تحدد تاريخ تلك الأحداث بالضبط؟

أواسط 1955 بالضبط، مباشرة بعد أن جاؤوا إلى الناظور شرعوا في تأسيس جيش التحرير، عبد الله الصنهاجي وعباس المساعدي، لما وصلوا للناظور لقوا قبولا منقطع النظير من طرف الساكنة، وخصوصا أعضاء حزب الإصلاح الوطني الذي كان يتواجد بالشمال، وكانت تتواجد به شخصيات مهمة في الناظور، استقبلوهم وأعطوهم مكان لتأسيس القيادة والتموين وكل ما يحتاجونه، وهناك التقوا مع اللاجئين الجزائرين الذين كانوا بالناظور، وهناك فكروا في تأسيس قيادة موحدة وهناك حصلوا على الأسلحة التي أتت في الباخرة «دينا الأولى والثانية والثالثة» وتم إفراغه في منطقة «كبدنة « السلاح ينزل من الباخرة ومع بداية تكوين خلايا جيش التحرير، نحن في بني بوحيد، بالضبط عين زورة التي كانت تحت حكم الإسبان وأنا أنتمي لصاكا التي تحت حكم الفرنسيين، ولما جاء عباس لمساعدي لعين زورة وبدؤوا يشكلون جيش التحرير، كانوا عند عائلة تدعى ولاد حقون، هذه العائلة مناضلة، وكان من بينهم شيخ يسمى ب»بوتزلامت» كان يساعد نواة جيش التحرير، عباس لمساعدي كان في مجموعة، كانت تسأل في البداية عن منهم الوطنين، يقصد الأشخاص الذين ينتمون للحركة الوطنية تحت حكم الفرنسيين، قالوا الساسي في صاكا، سي عياد في مزكيتان، بعثوا لي مرسلا إلى صاكا يسمى «إدريس بوتزلامت» من ولاد حقون 15 كيلومتر، قال لي بأن المقاومة السرية طلبت مني أن أحظر إلى عين زورة، يوم الخميس وهو يوم السوق ، ذهبت أنا وشخص من المنتمين للحركة الوطنية وهناك نلقي بالسي محمد عياد ومحمد التوزاني، «حلفونا» وما أن دخلنا إلى ولاد حقون حتى وجدنا شخصا يرتدي جلبابا ازرق ومتكيء على شجرة «كرمة» ولم يكن إلا عباس المساعدي، نحن لم نكن نعرفه، قاله لي ما اسمك؟ أجبته اسمي الساسي وقال لي نتوفر على اسم الساسي اسود أسس في تونس ونحن أتانا الله بالساسي أبيض، وهنا بدأت العلاقة وهنا أيضا بدأ تأسيس جيش التحرير الذي تحدثتم عليه.

زيارة عباس مساعدي للقاهرة أثارت ضجة إعلامية لا من طرف الصحافيين والإعلاميين ولا من طرف الباحثين، لاسيما مؤخرا عندما قيل بأن عباس المساعدي كانت له علاقة بالمخابرات المصرية وأثرت على موقفه في جيش التحرير المغربي، وحتى قيل بأن عباس المساعدي أصبح أسيرا لدى المصريين وعبد الكريم الخطابي كان آنذاك يتواجد بالقاهرة، إذا لكم مزيد من المعلومات لإيضاح هذه النقطة بالضبط؟

العلاقات الخارجية للمساعدي لم يكن لي علم بها، يقال إن عباس سافر بمفرده إلى القاهرة، لكن أحد أصدقائي ولايزال على قيد الحياة أخبرني أنه سافر رفقة لمساعدي إلى القاهرة ويسكن حاليا في طنجة واسمه عبد السلام التمسماني، هو في الأصل من نواحي الناظور.

قال لي إنه رافق لمساعدي إلى القاهرة، ولكن لم نتحدث طويل عن هذا الحدث، وكيفما كان الوضع فلمساعدي رجلا وطنيا، ويعتبر من الزعماء أمثال موحا اوحمو الزياني وعبد الكريم الخطابي، ولو لم تكن مدة جيش التحرير قصيرة، لسارت الأمور على نحو آخر، لكن هذه الأمور تحكم فيها أصحاب المصالح، وجيش التحرير كان قويا حتى ان موريطانيا استنجدت بالمغرب على هذا المستوى، بالرغم من أن الاستعمار كان يشوش على الوطنيين.

كما قلت لك، العلاقات الخارجية لعباس المساعدي ليس لدى أي معلومات عنها، سوى ما يتعلق بالداخل، الكفاح، التنظيمات والتنقلات، عباس المساعدي لما غاب لمدة ثلاثة اشهر كنا نتساءل عن سر غيابه خصوصا وأننا في بداية الثورة، بدأنا نشك هل قتل أم تم سجنه، وكنت في اتصال مباشرة مع عبد الله الصنهاجي، كلما سألته عن عباس إلا ويقول لي بأن عباس في مهمة، عبد الله الصنهاجي قام بدوره آنذاك حتى لم نشعر بالفراغ، واستمرت قيادة جيش التحرير. في يوم من الأيام وبالضبط في صاكا جاءني مرسول من المجاهدين طلب مني أن التحق بالحدود ولما وصلت وجدت عباس المساعدي ينتظروني، قلت له ماذا تريد؟ أجابني بالقول احتاج لبطاقة التعريف، أخبرته بأننا سنتكلف بها، اخبرته بأن علينا الذهاب لجرسيف.

لماذا اخترتم بالضبط مدينة جرسيف؟

مدينة جرسيف هي الدائرة التي كنا ننتمي إليها، و»صاكا» كانت مطوقة والمكتب كان يتواجد في منطقة حربية، وصلنا إلى جرسيف وبالضبط إلى بيت عبد الرحمان حدو، حدو كان وطني وكان لي معه اتصال وقائد لخلايا وطنية تتواجد بالمدينة، تحدثنا معه في الموضوع وأعطيناه صورة عباس، لم تمر حتى عشر دقائق حتى أتانا ببطاقة التعريف الخاصة بعباس المساعدي، وهنا طلب مني العودة إلى العمل وودعني دون أعرف وجهته.

وعند رجوعه من مصر ألم يخبركم المساعدي أين كان غائبا لطول هذه المدة (3 أشهر)؟

لم يخبرنا، لكنني عرفت فيما بعد أنه كان في القاهرة، عدا ذلك لم نعرف شيئا عن مخططاته ولا اتصالاته، باستثناء بعض المعلومات التي جاءت في سياقات مختلفة، كفكرة التحاقنا بسوريا للتدريب العسكري من أجل أن نكون ضباطا للجيش المغربي، ومعلومات أخرى عن نيته لإعدام بعض الخونة المندسين في جيش التحرير، أو بعض المعلومات المتعلقة بمنطقة صاكا التي توليت قيادتها بعد انسحاب المستعمر عنها في مارس 1956.

ماذا عن استقدام زوجة عباس لمساعدي إلى الناظور؟

استدعاني عباس لمساعدي إلى الناظور، وأنا أعلم جيدا أنه لا يتم استدعائي إلا وكانت هناك مهمة صعبة في انتظاري، كمهمة زيارتي للقائد المجاطي، وزيارة يهود ميدلت الذين كانوا قد جمعوا تبرعات لجيش التحرير، وكعادتي صاحب المهمات الصعبة، كلفني لمساعدي هذه المرة بإحضار أسرته من فاس، وأعطاني رسالتين، واحدة لعبد المالك أوسادن من قبيلة بني سادن، وأخرى لزوجته غيثة.

ألم تكن تعلم بمحتوى الرسالتين؟

لا، فقد كانت الرسالتين مسدودتين، ولم أكن مهتما لمحتواهما. مررت برفيق لي وأخذنا سلاحنا فانطلقنا باتجاه مدينة فاس، وعندا وصولنا اتصلت بمنزل عبد المالك الذي كان يسكن ببوجلود، ومباشرة بعد قراءته للرسالة التي نقلنا له من عباس، استقبلنا بمنزله، وقدم لنا الغذاء، وبعد ذلك دلنا على منزل زوجة عباس بدرب الجزولي رقم 6 مولاي ادريس، حيث استقبلتني غيثة علوش، بعدما تعرفت علي من خلال الرسالة التي حملت لها من زوجها عباس لمساعدي، دخلت المنزل وسلمت على والديها، وأخبرتهم بأننا سنسافر إلى الناظور في اليوم الموالي. أمضينا تلك الليلة رفقة عبد المالك وفي الغد ركبنا حافلة الستيام التي أوصلتنا إلى مدينة كرسيف حيث استقبلنا ميمون بودوش، وبتنا الليل عنده، وفي الغد استمررنا في المشي صوب الناظور باستخدام الدواب أحيانا، وأحيانا سيارات بسيطة، حتى وصلنا إلى حدود المنطقة الإسبانية، حيث أقلتنا سيارة إلى منزل عباس بالناظور.

ماذا يمكن أن تقول لنا أنت كأحد أعضاء جيش التحرير عن الجهة المتورطة فعلا في اغتيال عباس لمساعدي؟

مسألة اغتيال عباس المساعدي، حسب ما يبدو لي الآن، أصبحت واضحة، لأن المدة التي مرت على الحدث إضافة إلى عدد من النقاشات والدراسات التي همت الموضوع، كفيلة بتوضيحه. فمعروف أن جيش التحرير المغربي كان ينقسم إلى شقين: جيش التحرير بالناظور، وجيش التحرير بتطوان. فعندما نجح عباس المساعدي وعبد الله الصنهاجي في تأسيس جيش التحرير بالريف، اهتز الكل للحدث، لأنهم يعلمون جيدا ما هو الريف، إذا كان في يده سلاح، فالريف منطقة حساسة، وفي عروق أبنائه يسري نضال خارق للعادة، وهم أناس مشهورين في التاريخ بوطنيتهم ومحاربتهم ودفاعهم عن الوطن.

ففي الوقت الذي لاحظ فيه بعض السياسيين و»المقاومين المذبذبين»، تلك القوة التي كونها المساعدي والصنهاجي في منطقة الريف وبني وراين ومرموشة، التي تتميز ببسالة أبنائها ووعورة تضاريسها، عندها سارع السياسيون إلى تأسيس جيش آخر للتحرير بتطوان سنة 1956، جمعوا فيه عددا من المرتزقة والمخبرين، لأن مدينة تطوان هي الأخرى كانت مخترقة من طرف المخابرات الفرنسية، أقول إن القضية كانت مخترقة لأن فرنسا كانت تسعى للقضاء على جيش التحرير، وفي الوقت الذي كان فيه محمد الخامس وكانت الحكومة قائمة قامت قيادة جيش التحرير - تطوان، المتمثلة في عبد الكريم الخطيب والجزائري بوزار، بإنزال جيوشها إلى تاونات، وأقاموا مراكز هناك لمواجهة جيش التحرير - الريف، فقامت حرب بين الجيشين انتهت باختطاف عباس المساعدي من طرف جيش التحرير - تطوان.

خلال اللقاء الذي نظمته جريدة «العالم الأمازيغي» حول اغتيال عباس المساعدي ذكر الدكتور محمد اشطاطو أنه يتوفر على وثائق تشير بصريح العبارة إلى تورط المهدي بنبركة في اغتيال عباس المساعدي، ماذا تقول في هذا الاتجاه؟

بالنسبة لي فالاتصالات الخارجية هي على مستوى عالي، وأنا لا علم له به، لكن يجب أن نستنطق الأحداث لنصل إلى الحقيقة، لأن جيش التحرير الذي اختطف المساعدي بتاونات واغتاله، من يتحكم فيه؟ تطوان، وتطوان من يتحكم فيها؟ عبد الكريم الخطيب، وبالتالي كيف يمكن أن يكون بنبركة هو من قتل عباس المساعدي.

هل لديك ما يفيد ذلك؟

ما يفيد ذلك هي الأحداث، هو الواقع، فالقائد حجاج الذي أرسل ثلاثة أو أربعة أشخاص لاختطاف عباس، والراجح أنهم كانوا يقصدون اعتقاله من أجل الضغط عليه حتى يتنازل لصالح مسيرة الاستقلال وأصحاب المصالح، ومنهم فرنسا التي كانت تسعى للحفاظ على مصالحها، فحجاج هذا الذي خطف عباس بمساعدة اليعقوبي والمكناسي، كان تابعا لجيش التحرير - تطوان، هل كان المهدي بنبركة يحكم في جيش التحرير - تطوان، اللهم إلا إذا كان هذا الجيش تابعا لحزب الاستقلال، وهذا هو الراجح، أن جيش التحرير الذي كان في تطوان تأسس على يد حزب الاستقلال، لأن بعض المحسوبين على حزب الاستقلال كانوا حاضرين في جيش التحرير بتطوان.

محمد الغزواي بصفته مسؤولا كلفه آنذاك محمد الخامس بالتحقيق في حادث اغتيال عباس المساعدي، وهذا التحقيق لم ينته ولم تكن له نتائج ملموسة إلى حد ألآن لكن البخاري اعتمد على ارشيف المخابرات المغربية الذي اعتمدته من خلال ارشيف المخابرات الفرنسية، وهنا البخاري يتهم بصريح العبارة المحجوبي احرضان، والمحجوبي احرضان ومن خلال مذكراته الأخيرة يشير إلى أشخاص آخرين كسعيد أيت ايدر ومنير بن بوشعيب، لماذا مثلا يتهرب البعض من قول الحقيقة رغم انهم مايزالون على قيد الحياة؟

فيما يخص أحرضان، هناك شخص لا يزال على قيد الحياة وأتمنى ان تتواصلوا معه في هذا الشأن، فعندما قبض على الحجاج في تاونات وتبين انه من خطف عباس، فأين تم احتجازه في مدينة القنيطرة ، ومن كان يزوره ، وان أعرف شخصا يمكن ان يخبركم عن من كان يزور الحجاج في سجنه باستمرار والذين كانوا من الزعماء انذاك.

ولما حجاج قام بقتل عباس المسعدي وحصل مقابل ذلك على «الكريمات» والإمتيازات، وأصحاب عباس، مثلي، لا يزالون في دور الكراء، فما معنى هذا، اليس حجاج مجرما؟ ألم يكن من الواجب محاكمته؟

قضية اغتيال عباس كانت كبيرة ولا تتعلق بالمهدي بنبركة فقط فالمهدي كان واحدا فقط من ضمن الكثيرين، فالمهدي كان في حزب الاستقلال وكان عضوا مؤثرا، أما قرار اغتيال عباس فقد اتخذ على مستوى عال بهدف سحق عباس إما بسجنه أو إخضاعه أو قتله، والذين رافقوا عباس لم يصرحوا انهم قتلوه بل أكدوا أنهم رافقوه إلى تاونات ومن بعد ذلك إلى تطوان لتفاوض معه حول التخلي عن جيش التحرير مقابل حياته.

بعد مقتل عباس المسعدي انهار جيش التحرير كما قلتم في الريف ، هل جيش التحرير كان مرتبط فعلا بهذا القائد تنظيميا وفكريا وانتهى بمقتل عباس المسعدي ام أن قادة اخرين كانوا بعد ذلك قادوا جيش التحرير قبل أن يسلم السلاح في اطار الجيش النظامي أو القوات المسلحة الملكية؟

ستنقلني إلى الحديث عن أمور سبق لي ان تطرقت اليها في مجلة «ملفات من تاريخ المغرب» لزكي مبارك، والتي تطرقت فيه إلى أن القيادة كانت تعاني من العجز وبمعنى أخر كانت تعاني من انعدام التنظيم الاكاديمي والعسكري، ورغم ذلك كانت الامور تسير بشكل جيد ولكنها عشوائية وحتى الهجومات التي كنا نقوم بها كانت عشوائية، وأعطيك مثالا بأحدد الهجومات التي قمنا بهاو انا من اشرفت عليها مع تقريبا مائة جندي فرنسي وضعنا لهم كمين في احدى المواقع وقد نسقت مع بعض «المخزنية» الذين يشتغلون معهم لكي يعطوا الإشارة للجيش لتنفيذ الهجوم لقتلهم جميعا، ولكن مع أن الجيش كان بدون قائد وغير منضبط فقد فشلت العملية بحيث تم قتل اربعة من جيشنا والباقي تفرقوا وهذا كله بسبب العشوائية التي كانت تطبع جيش التحرير انذاك.

إضافة إلى أن مراكز جيش التحرير بدأت تستقبل الجنود المغاربة الفارين من الجيش الفرنسي، ومعروف أن أي جندي فار يجب ان يقام معه تحقيق لتعرف عليه أكثر ولمعرفة اسباب هروبه ودوافع الالتحاق، وهذا لم نعمل به داخل جيش التحرير بل أنه استقبلهم وسلم لهم السلاح على الفور والتحقوا بصفوف جيش التحرير.

ولكن رغم ذلك كان لهم دور كبير داخل جيش التحرير؟

من طبيعة الحال كان لهم دور كبير ولكن في النهاية اضروا كثيرا بجيش التحرير على سبيل المثال مركز «مزكتم» كان له دور مهم ومركز بوسكور هو السجن المركزي وكنا نرسل إليه الجنود والفرنسيين الذين يتم اعتقالهم، وهذا المركز عين فيه شرجان أرسلته المخابرات الفرنسية وقام بانقلاب على رئيس المركز وكاد ان يقتله وكان يخطط لانقلاب على حسن المغرواي وانضمت إليه الجنود الهاربين من الفرنسيين والذين احتضنهم جيش التحرير.

هل هذا يعني بأن جيش التحرير تم اختراقه وتم القضاء عليه قبل ان يغتال عباس المسعدي؟

لا لم يتم القضاء عليه، بل وقعت فيه بعض القلاقل و الاختلالات كما يقع في كل الثورات. كان لمساعدي يحاول رأب الصدع وتنقية وتنظيف جيش التحرير من بعض الخوانة، بحيث انه صرح لي بأنه يريد قتل وتصفية مجموعة من الاشخاص، ولكن هذه معركتنا. ففرنسا بغتتنا بإرجاع محمد الخامس، وقد كانت هذه دراسة عسكرية، بحيث فطنت فرنسا ان تمكن الشعب المغربي من السلاح لن يضعه حتى يحقق النصر، وهنا راعت فرنسا مصالحها الشخصية في المغرب والتي تيقنت انها لن تتحقق لها إلا بإرجاع محمد الخامس.

وعند رجوع محمد الخامس للمغرب، ونظرا لما لصفة الملك من هبة ووزن لدى المغاربة وتجسيدها للمشروعية، كان هو السبب الذي جعل جيش التحرير تنتهي صلاحيته مادامت المشروعية عادت للوطن برجوع السلطان محمد بن يوسف.

فنحن في جيش التحرير كان هدفنا خدمة الشعب منذ الحركة الوطنية في سنوات 1953 و1954 والتي كنت من مؤسسيها في الريف، كانت رسالتنا دائما خدمة المواطنين، ولكن المشكلة التي كانت انذاك هي خوف الناس من كل ماله علاقة بالمقاومة نظرا للظروف التي مروا منها الريفيين خصوصا حرب عبد الكريم ضد الاسبان.

ما علاقة جيش التحرير الجنوب بجيش التحرير بالريف؟

جيش التحرير الجنوب ولد من رحم جيش التحرير الشمال.

نسخة تطوان ام الناضور؟

جيد، اولا جاء بمبادرة من الكولونيل بن حمو، وهو رجل أمي ولكنه وطني قوي، كما القياد الأمازيغ الذين يتصفون بالقوة، وشيء اخر في العديد من القبائل تجد قائد مدني وقائد عسكري في التنظيمات الأولى لجيش التحرير، والقائد العسكري في الغالب يكون دائما أمازيغي لقوته وصلابته، والمدني يكون من شرفاء القبيلة أول للباقته وحنكته السياسية.

واعود الى جيش التحرير بالجنوب فقد كان من تأسيس الكولونيل بن حمو وهو كان من الفاشلين بتطوان فلا هو مع جيش التحرير الناظور ولا نسخة تطوان ولكنه كان لاجئا، ولما رأى بأن جيش التحرير بالناظور قد نجح ونفس الشيء بالنسبة لتطوان، قرر بمعية مجموعة من الفاشلين بالريف بالنزول الى الجنوب وتأسيس جيش التحرير بمنطقة ايت باعمران وساعدته في ذلك وضعية المنطقة كونها كانت مستقلة، وقد قام بتنفيذ هجوم لأيت باعمران ونحجت العملية الشيء الذي اعطاه الثقة لتوسيع نفوذه بالجنوب والصحراء ولا ننكر ان مبادرته كانت جيدة.

اعود بك الى علاقتك بعباس المساعدي فقد قلت انه أثناء سفرك معه إلى مزكتم وبالضبط يومان قبل مقتله، دار بينكما حديث مطول نريد منك ان تطلعنا على تفاصيل هذا الحديث؟

ذهبت إلى منطقة «مزكيتان» لأن جيش التحرير اجتمع هناك بدعوة من القيادة بالمنطقة، برئاسة حسن المغراوي، وذلك بسبب ما وقع من شنآن كبير بين العسكر والمدنيين، وصل حد المواجهة بين الطرفين. وطلب عباس لمساعدي مني الذهاب صحبته إلى مزكيتان لحل المشكل. عند وصولنا وجدنا فوضى عارمة توسطنا الجموع الغفيرة وبدأ عباس يطلب من كل الأطراف تجاوز الخلافات ودعاهم إلى الصلح.

وفي هذه اللحظات تقدم أحد الأشخاص نحو عباس، وبدأ يضرب بيده فوق إحدى الطاولات، وطلب من عباس أن يعيد له السلاح، الذي كان قد أعاره إياه. وتبين فيما بعد أن أعداء لمساعدي قد قرروا قتله في ذاك اليوم وعملية القتل كانت سوف تتم على الطريق الرابطة بين تازة وفاس، في إحدى «الكروازمات» وكنت قد كتبت رسالة بخط يدي إلى عبد الله الصنهاجي، أكدت فيها أن الذين حاولوا قتلوا عباس كانوا قد قدموا 3 مليون مقابل قتل لمساعدي.

هل تتذكر أسماء الذين كلفوا بقتله؟

قام بذلك كومندو برئاسة أحد الأشخاص وهو زموري الأصل (سارجان) كنت لا أعرفه بالرغم من أن هناك من يعرفه جيدا. العملية كانت ستتم في الطريق بين تازة ومزكيتان كما أسلفت من خلال الاصطدام بسيارة لمساعدي. ومن الأسباب التي أفشلت المحاولة هي مهارة السائق. وكنا قد قررنا تناول وجبة الغداء عند عامل تازة. عملية القتل في «الكروازمة» فشلت. وقد قال لي لمساعدي حينها أن ثلاثة أشخاص هم خونة ولا بد من إعادة النظر في كيفية التعامل معهم. وقد طلب مني الإعداد لحفل يجمع الكل بعدها تبادلنا المسدسات لأن كل واحد منا له وجهة معينة آنذاك لم أكن أتوفر على رصاص وتحدثنا عن طبيعة هذا الحفل وعن التمويل وعن الأشخاص الثلاثة وعن السفر إلى سوريا للتدريب على السلاح.

وصلنا تازة وتناولنا الغداء مع العامل الخياري، بعد ذلك اتجهت إلى صاكا لاقتناء لوازم الحفل وكان حينذاك يوم خميس وفي يوم السبت 27 يونيو 1959 قتل عباس المساعدي .

كيف تم ذلك؟

القتلة اختطفوه من فاس واتجهوا به إلى عين عيشة، والسؤال الذي أفكر فيه الآن هو ما علاقة المهدي بنبركة بذلك؟ الثورة المضادة لجيش التحرير في المغرب بدأت بمجرد ما اختطفوا عباس من فاس وهذه الثورة موجودة على شريط في اليوتوب بعنوان "les chefs anciens de l’armé de libération". ولما دفنا لمساعدي في فاس عينت القيادة التي ستخلفه، وحينها بدأت العملية الجراحية الكبيرة تنفذ في حق كل المقاومين المقتدرين والشرفاء، وهذه العملية كانت لها أبعاد سياسية. فعباس كان ضحية، واعتقد أن القضية كانت من ورائها عدة أطراف مشاركة فيها، والتاريخ سيفضح كل ذلك.

حاورته: رشيدة إمرزيك

مجموع التعليقات (0)