من أجل الحقيقة كل الحقيقة في اغتيال المفكر والمناضل الأمازيغي بوجمعة هباز وفاة المفكر الأمازيغي بوجمعة هباز في إحدى مراكز الإعتقال: أين الحقيقة؟

طالبت فعاليات ومنظمات أمازيغية بالكشف عن الحقيقة كل الحقيقة في اغتيال المفكر الأمازيغي الدكتور بوجمعة هباز، كان ذلك في أثناء مشاركتها في المسيرة الوطنية الرمزية المنظمة من طرف خمس منظمات حقوقية ، يوم الأحد 31 أكتوبر 2010 تحت شعار” من أجل تنفيذ التوصيات الصادرة عن هيئة الإنصاف والمصالحة” وكذا المشاركة في الوقفة الرمزية المنظمة يوم الجمعة 29 أكتوبر 2010، ابتداءا من الساعة السادسة مساء أمام محطة القطار الرباط المدينة.

وكان كل من الكونكريس العالمي الأمازيغي ومنظمة تماينوت والمرصد الأمازيغي للحقوق والحريات بالإضافة إلى فعاليات أمازيغية، قد شارك في الوقفة والمسيرة الرمزية أدانت فيه بشدة اختطاف واغتيال المفكر الأمازيغي التقدمي صاحب “نظرية الثلث الأسطوري” بوجمعة هباز، داعية إلى الكشف عن “الحقيقة كل الحقيقة” بشأن هذا الملف وباقي الملفات المشابهة، كملف اغتيال زعيم جيش التحرير عباس لمساعدي في 27 يونيو 1956 وإلى تنفيذ التوصيات الصادرة عن هيئة الإنصاف والمصالحة ن كما دعت الدولة المغربية إلى المصادقة على “الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإختفاء القسري” والإلتزام بها. وكانت طات المنظمات تتابع باهتمام كبير قضية الإختفاء القسري واللاإرادي والمختطفين مجهولي المصير التي يأتي على رأسها اختطاف واغتيال المفكر الأمازيغي بوجمعة هباز، من المنزل الكائن بالعنوان:57 زنقة ملوية بأكدال الرباط، وذلك منذ 19 أبريل 1981. ” وبعد الوقوف على مستجدات الملف والمكانة التي حضي بها ضمن انشغالات الحركة الأمازيغية،

وبعد التأكيد على الأهمية المرجعية لتوصيات الملتقيات والمؤتمرات الدولية المتعلقة بالغنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان”، يقول ذات البيان. مستندة (المنظمات) إلى ما جاءت به اللائحة الأخيرة للمجلس الإستشاري لحقوق الإنسان المتضمنة ل” حالات تأكدت لجنة المتابعة من كون اختفاء أصحابها كان لأسباب سياسية”، ومن بينهم بوجمعة هباز، ” تأكدت وفاتهم جميعا أثناء احتجازهم بمراكز مختلفة” بعدما صنفته عام 2003 ضمن 13 مختطفا من مجهولي المصير والهوية من بين 112 من مجهولي المصير آنذاك وبقيت بعد ذلك 66 حالة عالقة، حسب ما جاء به التقرير النهائي لهيئة الإنصاف والمصالحة، بالإضافة إلى جاءت به مجموعة من التحقيقات الصحفية والكتابات في الموضوع( مؤلف مختطف بدون عنوان، وملف جريدة العالم الأمازيغي العدد 67 من تأليف وإعداد سعيد باجي)، “تتضح مسؤولية الدولة في هذا الإختطاف و”الوفاة تحت التعذيب”، على خلفيات سياسية وإيديولوجية ناتجة عن مواقفه الأمازيغية التقدمية التي تلخصها مقدمة أطروحته الجامعية التي ناقشها بجامعة السربون عام 1979 في موضوع “مقولة الجهة في الأمازيغية” التي يعرض فيها الإطار المرجعي لمشروعه المجتمعي اللساني الأمازيغي”.

وهذا ووتؤكد المنظمات ذاتها على مناهضة الإفلات من العقاب وتشديد العقوبات في حال ارتكاب جريمة الإختفاء القسري وضمان استقلالية القضاء في ذات الموضوع، متشبثة بموقف الكشف عن الحقيقة وجبر أضرار ضحايا سنوات الرصاص ومتابعة الجلادين، والإعلان عن مدافن الضحايا وتبليغ عائلاتهم، وتسليم رفات المتوفين لذويهم بعد تحديد هويتهم وفق المعايير العلمية الجارية، وإجراء التحليلات الأنتروبولوجية والشرعية والجينية للتحديد القطعي لأسباب الوفاة، داعية الدولة إلى تلبية رغبة العائلات التي عينت مواقع قبور ذويها في نقل رفاته، وإطلاق سراح المختفين قسرا الذين ما زالوا على قيد الحياة، والكشف عن المقابر الجماعية لضحايا الإنتفاضات الشعبي، مع تحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية عن هذه الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتعجيل بإجراء جبر الاضرار التي لحقت العائلات والضحايا، من بينهم عائلة بوجمعة هباز، المتعلقة بالتعويض وضرورة استرجاع الممتلكات المصادرة من بعضهمن موجهة دعوتها للمنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية وفعاليات المجتمع المدني، إلى الإستمرار في دعم المطالب المشروعة لعائلات المختطفين مجهولي المصير وضحايا الإختفاء القسري والإنتفاضات الشعبية.

وبحلول 19 أبريل 2011، تكون قد مرت 29 سنة على الاختفاء المفاجئ للمفكر الجامعي الأمازيغي بوجمعة هباز، هذا الأخير الذي لم يظهر له أثر منذ 1981. وبالرغم من ورود اسمه ضمن لوائح ” المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان” الخاصة بالمختطفين المجهولي المصير، فإن ” هيأة الإنصاف والمصالحة” – التي ترأسها الراحل إدريس بنزكري- أنهت أشغالها وقدمت تقريرها النهائي للسلطات العليا في 07 يناير 2004 دون فك خيوط الكثير من الملفات الحقوقية الخاصة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ومن ضمنها قضية بوجمعة هباز التي بقيت معلقة حتى إشعار آخر.

من يكون إذن بوجمعة هباز؟ ما هو الخطر الذي كانت الأجهزة الأمنية تعتقد أنه يشكله على النظام؟ ماذا عن الملابسات والظروف التي اختفى أو بالأحرى اختطف فيها بوجمعة هباز؟ ما هي التطورات والمستجدات التي عرفها ملف الكشف عن مصيره؟ أين الحقيقة في كل ذلك ؟

سيرة حياة

يتحدر بوجمعة هباز من منطقة ورزازات حيث ازداد في قرية بوتازولت القريبة من منجم إيميني سنة 1943. تابع تعليمه في مرحلته الإبتدائية ببلدته وفي مرحلته الثانوية بثانوية محمد الخامس بمراكش، قبل أن يلتحق بمدرسة تكوين المعلمين بذات المدينة سنة 1961 والتي تخرج منها كمعلم للغة الفرنسية ليتم تعيينه بمنطقة إيمي ن تانوت. كان من ضمن زملائه في مركز التكوين كل من: المرحوم علي صدقي أزايكو ( أستاذ التاريخ والعضو السابق بالمجلس الإداري للمعهد الأمازيغي)، أحمد التوفيق ( وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية حاليا)، عبد الله بونفور ( أستاذ اللسانيات بالمعهد الوطني للغات والثقافات الشرقية بباريس والأستاذ السابق بالمعهد المولوي)، عبد الغني أبو العزم ( العضو سابقا بحركة إلى الأمام والقيادي السابق بكل من منظمة العمل والحزب الاشتراكي الديمقراطي)، عبد الفاضل الغوالي ( المفتش الممتاز بوزارة التربية الوطنية) فيما كانت إدارة المدرسة موكولة للأستاذ عبد السلام ياسين (مؤسس وشيخ جماعة العدل والإحسان المحظورة).

في سنة 1965، التحق بوجمعة هباز بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط حيث حصل على شهادة الإجازة في اللغة الفرنسية والتي خولت له الاشتغال بثانوية مولاي يوسف بالرباط. بعد ذلك استفاد سنة 1973 من منحة دراسية بجامعة السوربون الفرنسية ضمن المنح المخصصة للبعثات العلمية المغربية قصد إعداد بحوث ودراسات أكاديمية في مجال اللسانيات. وتحت إشراف الباحثة الفرنسية دونيز فرانسوا، قام بإنجاز أطروحة لنيل دكتوراه السلك الثالث في إطار وحدة الدراسة والبحث في اللسانيات العامة والتطبيقية سنة 1979 في موضوع: ” مقولة الجهة في الأمازيغية تاشلحيت المغرب، منطقة إيميني (مراكش- ورزازات)”.

نضال ثقافي والتزام سياسي

فور انتهاء رحلته الدراسية لباريس، عاد بوجمعة هباز إلى كلية الاداب بالرباط تنفيذا لعقد العمل الذي يربطه وإياها. غير أن الأستاذ سعيد باجي يشير في كتابه “مختطف بدون عنوان” (2006) إلى أن هناك ” تضارب للشهادات حول ما إذا اشتغل موسم 1980-1981 أستاذا محاضرا في اللسانيات”. في حين أن الأستاذ إبراهيم أخياط يورد في كتابه “رجالات العمل الأمازيغي” (2004) أنه ” بعد رجوعه من فرنسا بدأ في ترتيب أموره ليعمل كموظف في إحدى المؤسسات اللغوية بالرباط باعتباره متخصصا في اللسانيات في انتظار أن يتمكن من الحصول على كرسي جامعي، ولم تمض على هذه الوضعية أيام وقبل أن يلتحق بعمله حتى أتى خبر فقدانه”. غير أن ما هو مؤكد -وحسب ما هو متوفر من وثائق شخصية لدى العائلة- هو أن بوجمعة هباز قام بتجديد بطاقة تعريفه الوطنية بتاريخ 25 يوليوز 1980 وتحمل مهنة أستاذ محاضر بعد أن عين بهذه الصفة في 21 يناير 1980 من قبل وزارة التربية الوطنية وتكوين الأطر.

أسهم بوجمعة هباز في تأسيس قيدومة الجمعيات الأمازيغية وهي الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي سنة 1967 مشاركا في تأطير الكثير من أنشطتها الإشعاعية في سلسلة من المدن المغربية: الرباط، مراكش، القنيطرة…وأشرف على إعداد المائدة المستديرة الخاصة باللغة في إطار الدورة الأولى للجامعة الصيفية بأكادير المنعقدة في غشت 1980. وبسبب ظروف معينة، فإنه لم يتمكن من المشاركة في هذه الدورة العلمية بالبحث الذي اختار له موضوع: “المقاربة النقدية للأشرطة المصورة الموجهة لشباب العالم الثالث”.

ويحكي عنه الأستاذ إبراهيم أخياط قائلا: ” كان بوجمعة الهباز المناضل المفقود ضمن المجموعة التي تتكون من علي صدقي أزايكو وأحمد بوكوس والفاضل الغوالي وأحمد أكواو وعلي الجاوي وعبد الله بونفور وهؤلاء جميعهم كانوا طلبة بكلية الاداب والعلوم الإنسانية بالرباط التحقوا بنا نحن أخياط إبراهيم وعبد الله الجشتيمي وعلي بنور وعمر الخلفاوي حيث كنا نمارس محاربة الأمية سنة 1965 في صفوف التجار الصغار والعمال انذاك وأسسنا فيما بعد المغربية للبحث والتبادل الثقافي وكان بوجمعة الهباز ضمن المكتب المؤسس للجمعية”. ( كتاب رجالات العمل الأمازيغي، ص:33).

فضلا عن رسالته الجامعية المشار إليها، نشر بوجمعة هباز عددا من الدراسات المتخصصة في مجال اللسانيات بمجلة Traces التي أصدرها صديقه عبد الله بونفور نهاية السبعينات، من المحتمل كذلك أن تكون قد نشرت له كتابات في كل من مجلات ودوريات: أراتن، التبادل الثقافي، المناضل، أنفاس.

سياسيا، تشير بعض الشهادات إلى انتمائه لإحدى حركتي التيار الماركسي اللينيني: إلى الأمام، 23 مارس. إلا أن طابع السرية الذي يعرف به هذا التيار يجعل من الصعب التأكد من حقيقة هذا الانتماء، بيد أن ما هو مؤكد – وحسب تصريح صحافي سابق لصديقه عبد الغني أبو العزم- هو أن المعني كان متعاطفا مع حركة اليسار الماركسي اللينيني ولم يكن منتميا إليها تنظيميا بل إن كل ما هنالك هو كون علاقة تقاسم الهم النضالي التي تربطه مع قيادات التنظيم إنما تعود إلى فترة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

مضمون تحرري

بالاطلاع على أطروحة هباز، يمكن ببساطة تلمس الحمولة السياسية لها، فخلالها ابتكر مفهوم “الثلث الأسطوري” حيث يرى أن:” العالم الثالث تسمية خاطئة لما يسمى دول عدم الانحياز، لهذا نفضل كلمة “الثلث الأسطوري” لأن العالم الثالث لا وجود له في الواقع، وقد جعلوا منه أسطورة حقيقية: يدعي حكام دول عدم الانحياز أنهم يتبعون حلا ثالثا، ليس رأسماليا ولا شيوعيا. في حين أن هذا الحل لم يرد تاريخيا في القرن 20: لا خيار لدول عدم الانحياز سوى حل واحد: إما اتباع الاشتراكية مع تكييفها مع الوضعيات الخاصة والتخلي عن الرأسمالية، وبالتالي اتباع الحل الثالث (لا رأسمالية ولا شيوعية) يعني خلق أسطورة تخفي الصراع بين الرأسمالية والشيوعية في بلدان “الثلث الأسطوري” والذي هو قدر هذه البلدان” (مقدمة الأطروحة).

من جهة أولى، أسس هباز لأفكاره التقدمية سواء بالنسبة للمضمون التحرري لرسالته أو لباقي كتاباته عبر كتابات اعتبرت محرمة في ذلك الزمان لا سيما التي تخص: لينين، ماركس، ألبير كامي، فرانز فانون…بنفس القدر الذي بنى فيه بحثه على خلفيات ثقافية واجتماعية وإيديولوجية وبنيوية فوقية.

ومن جهة ثانية، دخل في جدل علمي مع ثلة من المستمزغين الفرنسيين Les berbèrisants خصوصا أولئك الذي اشتغلوا مع إدارة الحماية الفرنسية، ولا سيما أندريه باصي حين قال أن ” الأمازيغية لم تنتج قط لغة حضارة”Le berbère n’a jamais fourni une langue de civilisation. وشكلت أطروحته- بتضمنها للكثير من الحقائق التاريخية والسوسيولوجية المثيرة، وتناولها للجانب الشائك في الأمازيغية، ودحضه لأراء المستمزغين الفرنسيين خاصة العسكريين منهم العاملين في إدارة الحماية- بيانا سياسيا عاما حتى قيل أن الرجل بصدد الإعداد لثورة ثقافية بالمغرب، وبصدد الإساءة لتاريخ العلاقات المغربية الفرنسية.

اختطاف وشاهد

منذ أبريل 1981، لم يظهر أثر لبوجمعة هباز. صديقه عبد الرحيم المهتدي ( صحفي بالتلفزة المغربية طرد من عمله لعلاقته بالهباز) كان آخر من رآه. وهو يروي في تقرير مفصل رفعه إلى هيئة الإنصاف والمصالحة تفاصيل اختطاف المعني من قبل المخابرات المغربية من شقته بحي أكدال الراقي. كما أن الممرضين العاملين بمستشفى ابن سينا بالرباط سبق له في إحدى شهاداتها أن أفاد بأن بوجمعة هباز سبق له أن جيء به إلى نفس المستشفى وهو مكسور العظام ومطلى بالدماء.

فهل سيتحرك المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان لكشف مصير بوجمعة هباز وغيره من المختطفين المجهولي المصير ؟

أفكار الفقيد بوجمعة هباز في سطور

* النهضة بالنسبة للمستعمرين وثقافتهم تعني لنا تدمير المستعمرات بالأسلحة وباستغلال الشعوب المستعمرة وثرواتها وأراضيها.

* اللغة ليست فقط وسيلة للتواصل، إنها كذلك وسيلة لأدلجة الطبقات والشعوب والإثنيات والأمة.

* اللغة تصلح للهيمنة الإيديولوجية من أجل استغلال الإنسان للإنسان، كما تصلح للتحرر الإيديولوجي من أجل ألا يستغل الإنسان إنسان اخر.

* على الباحث المحلي أن يتحمل مسؤولية وواجب إعادة التفكير في النظريات اللسانية وإزاحتها عن المركز وقلب هذه النظريات وخلفياتها الإيديولوجية الموروثة من النحويين الاستعماريين ومعالجة اختلافه في اتجاه النضال من أجل التحرر الوطني الثقافي والإيديولوجي للجماهير الشعبية.

* تعد معرفة لغة المستعمر من بين الأسلحة الناجعة التي يستعملها المستعمر: معرفة لغة الاخر تعني امتلاكه ثم مثاقفته ونكران لغته وفرض لغة أخرى له، وهذه الظاهرة اللغوية تسمى الابتلاع.

مجموع التعليقات (0)