عمال البناء: رواتب هزيلة ومعانات بالجملة

بقلم: حميد أيت علي "أفرزيز"

عامل بناء، شخص بسيط يأتي غالبا من الهامش، منهم من حالفه الحظ وتعلم في حجرات الدراسة، منهم من رافق الفقر أبويه ليجد نفسه حامل الرفش وهو قاصر، بعد أن حَرُم عليه التعليم، أو ولد في قرية نائية لا مدارس بالقرب من مسكنه، يعرفه السياسيين لحظة إحتياج صوته في صندوق شفاف، من البنائين من حالفه الحظ كذلك وكَوَّنَ نفسه بعد أن أنشأ مقاولة أو شركة، يضرب به المثل. من البنائين أيضا مجاز أو ذو مستوى دراسي عالي، فرضت ضروفه أن يجد نفسه وسط اللبنة والخرسانة.

 يستيقض صباحا منهمكا في عمله بأوراش البناء، مجهود جبار وطاقة تنزف لينال رغيف خبز حلال، من أهم المشاكل غياب التغطية الصحية، والتي أسجل فيها عدة خروقات ومصائب عشتها ورأيتها بأم عيني بصفتي عامل بناء لمدة ثلاثة عشر سنة.

مات الكثير من العمال بسبب ألا مبالات من طرف بعض الشركات خاصة، ومن الدولة عامة، سقط العمال من واجهات البناء لتنفجر أدمغتهم مودعين هذا العالم، تاركين أبنائهم وعائلاتهم يعانون الفقر والتهميش، مات الكثير دون أن تأخذ زوجته حق زوجها من الشركة...بُترت أيادي وأرجل الكثير بسبب غياب الأجهزة الخاصة بسلامة العامل، ليصبح المعطوب عالة تنظاف لعائلته، ويصبح الفقر رفيقهم طيلة حياتهم .

 هَمُّ اغلبية الشركات والمقاولين، الربح وإنهاء المشروع، إنعدام الضمان الإجتماعي لدى الكثير من الشركات والمقاولين، حيث أسجل أنه لمدة 13 سنة التي عملت فيها كعامل بناء بربوع الوطن من طنجة إلى الگويرة، لم أصادف فيها شركة تحترم القانون وتعطي جميع المستحقات للعمال، وتحترم المجهود الذي نقوم به.

"نتا غير بناي" هكذا يُردد على مسامعنا كلما دخلنا في نقاش أو تبادل الأفكار مع غير البنائين، وهو إحتقار لهذه الشريحة المهمة في المجتمع، حيث نجد أن جل المغاربة يعتقد أن الفهم والوعي، مرتبط بالأساس بعدد حجرات الدراسة التي تَلَمَّذَ عليها الشخص، أو المتسوى التعليمي الذي وصل إليه الإنسان، وهذه من بين الأخطاء السلبية التي تنخر مجتمعنا.

نعم أن الدراسة تلعب دورا مهم في إزدياد وعي الإنسان، وبناء فكر متحضر علمي منطقي، لكن التجربة والإحتكاك أيضا عامل مهم لوعي الإنسان، ولنا تجربة وخير دليل، في أناس بصمو في التاريخ ومستواهم الدراسي دون الثانوي والإعدادي.

..من بين المشاكل أيضا التي يصادفها العامل، فرض توقيع عقد عمل، لا تتجاوز مدته 6 أشهر كي تنجو الشركة من الضرائب، والهرب من تسديد مستحقات الأقدمية للعامل، أي أنه في كل 6 أشهر توقع عقد جديد، أو يتم طردك من العمل بذريعة أن العقد الذي يربطك بالشركة قد إنتهت مدته، وهذا العقد لم يعد يقتصر على العمال فقط، بل إنتقل العمل به من طرف الدولة نفسها في حق الأساتذة والموظفين.

 يعاني العامل من بعد نقط العمل، فمثلا نحن أبناء اسامر "الجنوب الشرقي" نقطع كيلومترات بغية العمل في المدن الكبرى، كأن أسامر لا يزخر بخيرات وثروات تجعله جنة و وجهة للعمل ايضا، إلا أن الدولة همشتنا من كل الجوانب وتحالفت مع الطبيعة القاسية لإقبارنا أحياء.

في الدول المتقدمة والتي تحترم الإنسان، يصل راتب عمال البناء إلى دنو رواتب الموظفين والأساتذة، ودولتنا لا تعطي الأهمية لإنسان، هم الدولة والمسؤولين جيوبهم وتعليم أبنائهم، إذ لو كانت دولتنا ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان والمواطن، وهذا حلمنا ومبتغانا ونحن نستقبل سنة 2018، لكان عامل البناء بالخصوص والعمال بصفة عامة يُحترمون للحقوق يمتلكون،  ولأجرة تليق بتضحياتهم يحصدون... لكن! نتأسف على حالنا نحن المغاربة، نهبو ثرواتنا وشردو أهلنا وقرانا ومداشرنا، ونلنا 60 درهم لليوم الذي تعمل فيه، و 100 درهم لليوم إن كنت ذو دراية بخبايا العمل، وعمرت كثيرا في أوراش البناء.

...نحن أبناء الهامش أو بلغة الدولة أبناء المغرب "الغيــر النــافع" حياتنا كلها سفر وترحال وبحث، نسافر بحثا عن لقمة العيش، أو بحثا عن حجرة للدراسة،  أو بحثا عن مستشفى لينقذ أبنائنا من الموت.نصيبنا  كفن أو عاهة مستدامة، أو إن حالفك الحظ تعود خاوي الوفاض لقريتك سليما جسديا .

كم من عامل بناء عاد لقريته في نعش بعد أن سقط في ورش البناء ليفقد روحه من أجل لقمة العيش، ليحصد عمال البناء التعب والقهر والمعانات، وعظم الله أجركم في هذه الدولة، ورزقنا الله الصبر راجين منه العفو من حمل الرفش، واللبنة وخلط الخرسانة والبِلاط.

مجموع التعليقات (0)