اللغة وطبيعة الإنسان

ذ عبد الله الحلوي

ما هي الشروط التي ينبغي أن تتحقق في الإنسان لكي يصير قادرا على استعمال اللغة؟ كيف ينبغي أن يكون شكل "القوام الوجودي للإنسان" حتى تصبح اللغة جزءا من هذا القوام الوجودي؟ لكي نفهم هذا السؤال جيدا، علينا أن لا نخلطه مع سؤالين آخرين: أحدهما طرحه اللساني الأمريكي نوام شومسكي وأتباعه، والثاني طرحه علماء الأنتروپولوجيا الارتقائية.

سؤال شومسكي

السؤال الذي طرحه شومسكي وأتباعه انطلاقا من بداية التسعينيات هو: إلى أي درجة يمكن أن نقول بأن النحو الكلي (مبادئ النحو المشتركة بين جميع لغات العالم) هو آلية (=ميكانيزم) تجعل اللغة قابلة للإستعمال من طرف ملكات العقل الأخرى (كالقدرة على التخطيط، والإستدلال التلقائي، والحساب، إلخ)؟ إذا كان النحو الكلي الذي كشف البحث اللساني عن ملامحه العامة بشكل مرض مجرد آلة تجعل التواصل اللغوي مُتاحاً للاستعمال من طرف ملكات العقل الأخرى، فهذا يعني أن النحو "حيلة تطورية" ابتدعها الدماغ الإنسان في رحلته الإرتقائية الطويلة لكي يسدّ احتياج الإنسان للتعبير عن معاني لا نهائية العدد بأصوات محدودة العدد.

سؤال الأنتروپولوجيين

والسؤال الذي طرحه علماء الأنتروپولوجيا الإرتقائية هو: كيف يمكن أن نستعمل المعطيات الحفرية المتعلقة بالتاريخ التطوري للجهاز العصبي والفزيولوجي عند الإنسان لمعرفة المرحلة التطورية التي ظهرت فيها اللغة؟ من ذلك مثلا البحث الذي أنجزه رالف هولوواي (1981) حول البناء الداخلي للإنسان المستقيم البنية الذي عاش في إفريقيا Homo Erectus egaster والذي يثبت أن دماغ هذا الكائن الإنساني القديم غير متماثل بمعنى أن فصّي دماغه لم يكن لهما نفس الشكل والوظائف. وهذا عين ما يتميز به الإنسان العاقل المعاصر الذي يتوفر على فصين دماغيين يقوم كل منهما بوظيفة خاصة. فينجز الفص الأيسر مهام مرتبطة باللغة وإنتاج الرموز وفهمها، بينما يتكلف الفص الأيمن بمهام أخرى كالتفكير الفضائي (مثلا: التنسيق بين ما تدركه العين وما تفعله العين).

من ذلك أيضا المسح الدقيق لجهاز النطق عند الإنسان الإفريقي ذي البنية المستقيمة Homo Erectus egaster والذي بين بأن هذا الجهاز يمكنه من إنتاج أصوات لغوية كثيرة مختلفة وبسرعة عالية يحتاج إليها الإنسان في التواصل. يضاف إلى كل هذا أن المهام التي كان ينجزها الإنسان الإفريقي ذو البنية المستقيمة كصناعة الأدوات المعقدة نسبيا، والتحكم في النار، والتعايش مع ظروف بيئية مختلفة، كانت مهام معقدة يحتاج فيها الإنسان البدائي للتعاون الذي لا يقوم إلى بالتواصل.

"مغالطة هايدكر"

الضعف الأساسي في سؤال شومسكي وسؤال الأنتروپولوجيين أن كليهما ينبنيان على ما يمكن تسميته ب"مغالطة هايدڭر" Heidegger's Fallacy (وهي مغالطة لم يرتكبها هايدڭر بل اكتشف بعض ملامحها) التي مفادها أن يتساءل المرء عن طبيعة شيء ما وأن يفترض سؤاله معرفة مسبقة بطبيعة هذا الشيء. كأن تتساءل قائلا: "ما هو هذا الكائن غير المنظور الذي ندعوه روحا"، فتفترض، بمنطق سؤالك أن هناك "كائنا" اسمه "الروح"، وأنه "كائن غير منظور"، فتكون المغالطة واقعة إذا كانت نيتك أن تبحث في طبيعة "الروح".

من ذلك أيضا أن تتساءل عن "طبيعة الإنسان" وأن تفترض في نفس الوقت أن الإنسان "موجود" وأنه "ذات" أو "كائن" أو "عقل" أو "حيوان ناطق" وغير ذلك من الافتراضات التي توجه بحثك من أساسه وتقودك إلى عين ما انطلقت منه من مسلمات غير مبررة.

لذلك كان الفيلسوف الألماني هايدڭر يتحاشى استعمال المفاهيم السائدة ك"الإنسان" و"الذات" و"الحيوان" وغيرها من المفاهيم التي تنطوي على مسلمات ضمنية حول "طبيعة الإنسان"، وكان يفضل أن يحيل على الظاهرة التي نسميها "إنسانا" باللفظ الألماني المحايد "دازاين" الذي معناه: "ذاك الذي يوجد هناك" إمعانا في تحرّي التنزه عن المفاهيم المسبقة والمسلمات غير المبررة حول طبيعة الإنسان.

فعندما تساءل شومسكي عن طبيعة "النحو الكلي" وما إذا كان هذا النحو "آلة" تجعل اللغة متاحة لبقية الملكات العقلية فإنه كان يفترض، على منهج ديكارت، أن للإنسان "عقلا" وأن "العقل" أمر معلوم لا نحتاج سوى لسبر أغواره واكتشاف أسراره. وكأنما العقل كهف عميق لا نحتاج سوى للولوج إليه والإطلاع على ما يوجد داخله. و"مغالطة هايدڭر" في هذا النمط الشومسكاوي من التفكير أن معظم المفاهيم التي تستعمل فيه ك"استبطان العقل" و"البناء ات العقلية" و "التمثيلات العقلية" و"العضو العقلي" مجرد استعارات وكنايات نتحدث بها عن العقل الذي نفترض أنها هي حقيقة العقل نفسه. فما "باطن العقل" الذي يمكن استبطانه؟ وما هو هذا "البناء" العقلي وكيف يُهدم بعد أن "يبنى"؟ وما وجه "المماثلة" بين "التمثيل" العقلي وإعادة استحضار الشيء الذي يعبر عنه اللفظ اللاتيني representation؟ فلو تأمل المرء في هذه الألفاظ لألفاها مجازات يعبر بها شومسكي عن ما يتصوره "عقلا" تضمر تصور شومسكي للعقل بصفته "وعاء" تكون الأشياء قائمة فيه ويمكن لعناصره أن تبنى داخله.

كيف نجدد سؤال علاقة اللغة بطبيعة الإنسان؟

لاحظ جون سورل في إحدى محاضراته المشهورة أن ما يميز الفلسفات المعاصرة أنها تطورت بشكل تدريجي حتى أصبح سؤالها الرئيسي والعميق يدور حول سؤال "ماهية الإنسان": ما معنى أن أكون إنسانا؟ ما هي الخصائص والقدرات التي تجتمع في الكائن الإنساني ولا تجتمع في غيره؟ هذا السؤال ليس مجرد سؤال فلسفي مجرد، بل هو نفس السؤال الذي يحاول مهندس الذكاء الإصطناعي أن يجيب عنه عندما يسعى إلى تأمين منتج إلكتروني بحمايته من كل الروبوتات الإلكترونية فيصمم تطبيقا إلكترونيا يميز بين الإنسان والروبوت. وهو نفس السؤال الذي يطرحه واضع المناهج الدراسية عندما يتساءل عن ما يميز "التعلم" عن الإنسان عن التعلم عند الآلة. وهو أيضا نفس السؤال الذي يطرحه مهندس التطبيقات التكنولوجية الترجمية التي يفترض فيها فهم اللغة المترجم منها وإنتاج اللغة المترجم إليها.

ومما نتعلمه من هايدڭر أن سؤال: "ما هو الإنسان" يجب أن ينطلق، لا من مجموعة الخصائص التي تميز الإنسان عن غيره (فإدراكنا لهذه الخصائص يتضمن أحكاما مسبقة كثيرة عن ماهية الإنسان)، بل من ما يسميه هايدڭر "التربة الوجودية" التي ينغرس فيها الإنسان أي "الوجود". فلوجود الإنسان شكل ... خاص لوجوده يتميز ب"الإنفتاح" على ما دونه. فإذا افترضنا أن "الوجود" هو صفة كل شيء موجود، أي تلك الصفة التي لا تتطابق إلا مع نفسها (لا تستلزم أية صفة أخرى)، سيمكننا أن نتصور كيف أن الإنسان هو نقيض "الوجود" لأنه كائن يسعى أن يكون كل شيء آخر غير نفسه، تماما كالمرآة التي تعكس كل شيء آخر غير نفسها.

لذلك فإن تعارض الإنسان مع الطبيعة (الوجود الممتد أمامه) ليس مجرد تعارض تمايز رقمي ... بل هو تعارض أنطولوجي جذري. فالإنسان ليس "وجودا" إلا بقدر حضوره في ملكوت الطبيعة والتاريخ. أما "طبيعته" التي يستقل بها عن غير فهي أنه "كينونة" منفتحة تسعى إلى أن تكون كل شيء آخر غير نفسها. والتناقض الحاد بين البعد "الوجودي" للكائن الإنساني وبعده "الكينوني" هو بالضبط ما يخلق هذا التوتر الذي قد يكون جوهر القوام الأنطولوجي للإنسان.

نحو فهم جديد لموضوع الأنتروپولوجيا

من بين نقاط الضعف الجوهرية في الأنتروپولوجيا المعاصرة أنها تفترض (بدون أي دليل) أن الإنسان نوع بيولوجي (يطور وظائف ثقافية عالية كالمعرفة ومؤسسة الزواج والدولة). هذا الإفتراض نقطة ضعف لأنه يحجب عنا حقيقة مهمة وهي أن الإنسان (جوهريا) ليس "نوعا بيولوجيا" وليس "كائنا" وليس "دازاين" بل مُخْرَجٌ outcome لحل أنواع مختلفة من التعارضات clashes ــ تعارضات بين المهمة الأساسية ل"الكينونة" والحوض الوجودي الذي تجد فيه الكينونة نفسها. لنتذكر أن الكينونة هي الوجود عندما ينفتح بشكل تام فيسعى إلى أن يكون كل شيء آخر غير نفسه (تماما كالمرآة التي تعكس كل شيء آخر غير نفسها).

من التعارضات الأساسية التي تختبرها الكينونة أنها تسعى إلى أن تكون كل شيء وأن تبقى، في نفس الوقت، نفسها وليس شيئا آخر غير نفسها. الحل؟ .. أن "تتَمثّل" الكينونة العالم: ادراكا حسيا، معرفةً، تمثيلا أيقونيّاً، تمثيلا رمزيا، خيالا، ذاكرةً، إلخ.

إذا فهمنا "الإنسان" على أنه جماع الحلول التي حُلَّتْ بها التعارضات بين الكينونة والحوض الوجودي المُلقاة فيه، سنتجه بعد ذلك إلى طرح السؤال الأنتروپولوجي بشكل دقيق: كيف تتطور هذه الحلول؟ وما هي الآليات المحددة لهذه التطورات؟ مثلا: لماذا انتقلت الكينونة من تمثلها للعالم بواسطة الأيقونات icons إلى تمثيله بواسطة العلامات (التي يرتبط فيها الدليل بالمدلول ارتباطا اعتباطيا)؟ ما هي الحدود القصوى لتطور التمثيل الكينوني بصفته حلا للتعارضات المشار إليها؟

الأنتروپولوجيا علم عظيم يحتاج لا إلى تعميق أسئلته بل إلى إعادة طرحها في ضوء فهم للإنسان بصفته حلا لتعارض الكينونة مع وجودها .. بهذا المعنى فالأنتروپولوجيا ليست هي "علم الإنسان" بل علم "غربة الإنسان في العالم".

عن "اللاوعي" من الفرضيات الأساسية التي ينطلق منها شومسكي في تحليله اللساني أن "البنى التحتية" للجمل و"البناء المنطقي" للكلام والقواعد المتحكمة في إنتاج التراكيب هي جزء من مكون عميق من العقل الإنساني غير واع. مهما كان عُمق اللاوعي الذي كان يتحدث عنه فرويد (والمتأثرون به) فهو لا وعي قابل للإستبطان introspection. فمهمة المحلل النفسي هي أن يُعين المريض على استبطان لحظة تائهة (ولكن مؤثرة) في أعماق اللاوعي الإنساني: لحظة اغتصاب، أو إحساس مدمر بالذنب، أو اختبار صدمة عاطفية قوية.

إلا أن مما اكتشفه العلم المعرفي cognitive science المعاصر واللسانيات المعاصرة أن هناك لاوعياً أعمق بكثير من اللاوعي الفرويدي ــ لا وعياً غير قابل للإستبطان وغير قابل للإستعادة بالإستبطان ولا يمكن أن يكون موضوعا للإنتباه الواعي. أسمي هذا اللاوعي الأعمق ب"اللاوعي الوظيفي".

مما يشهد لوجود هذا اللاوعي الوظيفي أن هناك "نحواً" صوريا معقدا مشتركا بين جميع لغات العالم. من مظاهر هذا النحو المشترك مثلا أن جميع اللغات تربط وجود فاعل في الجملة بوجود الزمن في هذه الجملة ، وتسمح بوجود مواقع داخل الجملة فارغة من كل مادة صوتية ولكنها قابلة للتأويل، وجميع اللغات تستعمل أسماء وأفعالا، وجميع اللغات تحتوي على أدوات نفي واستفهام ... ولو قضى الإنسان حياته كلها محاولا استبطان هذا النحو المشترك لفشل في ذلك، لأن الوعي بخصائصه ومحتوياته ووظائف لا يتم ب"الإستبطان" بل بالبحث الموضوعي المفصل والمقارن بين لغات كثيرة.

اللاوعي الوظيفي طبقة عميقة من الآليات الوظيفية التي نحتاجها حياتنا العملية، كتلك الآليات التي تمكننا من تأويل الأبعاد (ما يوجد فوق وما يوجد تحت ...)، وتلك التي تمكننا من تأويل خبرتنا البصرية (كاهتمام أعيننا بالأشياء أكثر من اهتمامها بخصائص هذه الأشياء)، وتلك التي تمكننا من تمييز وجوه بشرية كثيرة (حتى ولو كانت المعلومات حول هذه الوجوه ناقصة)، وتلك التي تمكننا من تقدير المسافات، وتلك التي تمكننا من طي التفاصيل في استدلالاتنا، وتلك التي تمكننا من حفظ بعض معاني الكلمات رغم تبدل معاني المعجم ...

من الفرضيات الأساسية التي ينطلق منها شومسكي في تحليله اللساني أن "البنى التحتية" للجمل و"البناء المنطقي" للكلام والقواعد المتحكمة في إنتاج التراكيب هي جزء من مكون عميق من العقل الإنساني غير واع بنفسه. اللاوعي هو مستوى "جيولوجي" عميق في عملية الإرتقاء التاريخي للوعي الإنساني. إنه "وعي" الإنسانية بالعالم وباحتياجاتها الطبيعية والمعرفية. هو أيضا المستوى الذي لا يزال الوجود يتصارع فيه مع مساواته لنفسه (تطابقه مع نفسه) ولم يخرج بعد من هذا الصراع نحو إنجاز المهمة الأساسية للكينونة، أي سعيها إلى التطابق مع كل شيئ آخر سوى نفسها (كما تفعل المِرآة إذ تعكس كل شيء آخر إلا نفسها). بهذا المعنى فإن استرجاع اللاوعي الوظيفي، واستبطانه، وإعادته إلى دائرة الإنتباه هو نوع من الرجوع لوجودنا قبل أن يخرج بشكل كامل من تماثله الأصلي ..

هذه هي المقدمة التي نحتاجها لفهم بعد اللاوعي وحضوره في حياتنا وتأثيره على حضارتنا .. اللاوعي ليس ظاهرة نفسية، بل شكل من الأشكال التي تنغرس بها إنسانيتنا في وجودها الخاص.

ما معنى أن يدلّ الدالُّ على المدلول؟ تتشكل كل "علامة" sign من دال ومدلول. لكن ما معنى "الدال" وما معنى "المدلول"؟ ... ما معنى أن "يحيل" دال على مدلول؟ ما معنى أن "يدل" لفظ horse على ما يحضر في وعينا عندما نفكر في "الحصان"؟

تفترض اللسانيات المعاصرة وجود "دال" ندرسه من خلال علوم كالصوتيات والمورفولوجيا والتركيب، كما تفترض وجود "مدلول" ندرسه من خلال علوم ك"علم الدلالة" و"التداوليات". قد يهتم اللسانيون

أحيانا بالمنتصيات interfaces التي يتقاطع فيها الدال بالمدلول، لكنهم لا يهتمون بمعنى "أن يدل الدال على المدلول". فما هو المضمون الأكثر بدائية ( = الأقل تشوّها بالصّورنة التي تبعدنا تدريجيا عن الشيء نحو مفهومه المجرد) والأكثر يوميّة (كما نختبره في حياتنا اليومية الأصيلة) لفعل "التّدلال"؟

لكي "يدل الدال على المدلول" بهذا المعنى البدائي واليومي والأصيل، ينبغي أن تحقق ثلاثة شروط على الأقل:

أولها: ينبغي أن تتجه الكينونة نحو وجود ما: حصان، شجرة، جبل، إلخ. وأن يكون اتجاهها نحوه قلِقا. فالوجود الذي تتجه نحوه الكينونة ليس مجرد "وجود" ملقى به أمامها، بل هو أشياء "جاهزة" available : حصان يمكن أن يُمتطى، شجرة تعطي ثمارا مغذية، جبل يصعب صعوده، إلخ.

ثانيها: "القلق" البدائي الذي تتجه به الكينونة نحو ما تريد أن "تدل" عليه راجع لكون ما تريد أن تدل عليه مصدر همٍّ Care. الحصان والشجرة والجبل هي مسألة حياة أو موت بالنسبة لي ولأسرتي وعشيرتي وقبيلتي. فأنا لا "أحيل" بمجرد مدّ سبابتي نحو .. بل بالإنفتاح الحذر على ما أدل عليه. "الدلالة" على موضوع، في أصلها الأكثر بدائية، هي نوع من الموقف الحذر المتيقظ أمام خطر داهم "أهتمّ" به (من "الهم").

ثالثها: أن "أدل" على شيء هو شكل من أشكال حل الكينونة للتعارض بين سعيها إلى كون الشيء واستحالة هذه المهمة. تحل الكينونة هذا التعارض بأن تُمثل الوجود أيقونة ثم رمزا ثم علامة.

"العلامة" هي نفسها علامة على ما تفعله الكينونة، أي كونها تسعى إلى أن تكون كل شيء غير نفسها، كما تفعل المرآة عندما تعكس كل شيء غير نفسها. لقد آن الأوان لبناء لسانيات بعد ــ سوسيرية post-saussurian لا تكتفي بدراسة الدال وما يتعلق به من مدلولات، بل تدرس أيضا الفعل الذي تنجزه الكينونة وهي تدل بالدال على المدلول، أي فعل التِّدلال. فأصل إبداعية اللغة ليس هو آلية المعاودة (كما يرى تشومسكي) بل هو فعل الخلق الذي تنهض به الكينونة وهي تعيد خلق العالم بالتدلال.

مجموع التعليقات (0)