التربة الوجودية ل"التباس" اللغة والجسد

د. عبدالله الحلوي

هناك خاصية مهمة مشتركة بين "الجسد" و"اللغة" وهي الخاصية التي سماها ميرلو پونتي ب"الالتباس" ambiguity. عندما أشير بسبابتي إلى صدري وأقول للخياط غاضبا: "هذا جسدي وأنا أدرى به!"، متذمرا من محاولته لفرض مقاييسه أو ذوقه علي، فأنا أدل باعتراضي هذا على كون هذا الجسد "جزءا" مما أعتبره "أنا". لكن عندما أندمج في رقصة جماعية بشكل تام، فإني أنسى حدود جسدي لأتماها مع "جسد" أكبر هو جسد الجماعة التي أرقص معها. فلا أسترجع وعيي بجسدي وحدوده مثلا إلا بعد أن تنتهي الرقصة أو بعد أن يطأ أحدهم على قدمي بشكل مؤلم.

هذه "الحالة الوجودية" من الخروج عن حدود الجسد بالانتظام في الجماعة هي الشرط التي يحتاج الجندي للانخراط فيه ليكون إنجازه العسكري فعالا و"شجاعا". بهذا المعنى، فإن الجسد هو محدد أساسي ل"أنا" ولكنه، في نفس الوقت، مجرد حدود يمكن أن أتجاوزها نحو جسد أكبر.

إنه التباس بين حالتين وجوديتين: حالة يكون فيها الجسد "منخرطا" engaged في العالم (مجموعة الرقص، فريق عسكري، تجربة التفاعل الجنسي، فرقة كرة القدم)، وحالة ينسحب فيها الجسد من "العالم" نحو نفسه ونحو تطابقه مع الأنا.

نفس الإلتباس نعيشه عندما نستعمل اللغة. عندما تستعمل لغتك الأم في حياتك اليومية حيث تكون "منخرطا" في العالم، فإنك لا تفكر في اللغة أصلا، بل لا تكون واعيا حتى بكونك تستعمل لغة بعينها دون أخرى. وآخر ما يمكن أن تفكر فيه عندما تعبر عن مشاعر الحب لشريكك، أو عندما تنفجر غاضبا لسبب من الأسباب، أو عندما تروي قصة حياتك الحزينة ــ آخر ما تفكر فيه هو قواعد اللغة التي تستعملها وأنت تتكلم. في لحظة من اللحظات، تنسحب من "العالم" لتفكر في لغتك، وفي قواعدها، وفي أساليب التعبير بها، وفي معاني كلماتها أو ومباني عباراتها. في هذا اللحظة أنت تستعمل اللغة للحديث عن اللغة، تماما كما تستعمل جزءا من جسدك (السبابة) للإحالة على جسدك. بهذا المعنى، فإن اللغة هي حالة وجودية ملتبسة أيضا.

الكينونة Being هي الوجود عندما يفقد تماثله الأصلي ويسعى إلى أن يكون كل شيء آخر غير نفسه (تذكر استعارة "المرآة" التي تعكس كل شيء آخر غير نفسها). هذه مهمة مستحيلة لثلاثة أسباب من بينها أن هذه المهمة تضطر الكينونة أن تكون نفسها وغيرها في نفس الوقت. إلا أن للكينونة أساليبها الخاصة في حل هذا التناقض: لا يمكن للكينونة أن تكون نفسها وغيرها في نفس الوقت، لكنها يمكن أن "تتَجَسْدَن"، أي أن تعيش من خلال جسد يحمل خصائص الهوية الذاتية (مثلا: "وجه" تتناصي به الكينونة مع الغير بالتعابير الوجهية facial expressions، وبالنظرات المتبادلة eye contact، إلخ)، معا لإحتفاظ بإمكانية نفي هذا الجسد بالإحالة على "أنا حقيقي" (النفس، الروح، الأنا الداخلي، إلخ) يستطيع الذوبان في حوض وجودي أوسع (الجماعة، المجتمع، الكون، إلخ).

هذا التحديد الوجودي للغة بصفتها شكلا من الأشكال التي تحل بها الكينونة مشكلة التناقض في مهمتها الأساسية (أن تكون ذاتها وغيرها) هو التربة الوجودية التي لم يحللها ميرلو پونتي ولم يكن هايدڭر واعيا بها .. وهي أصل التعارض بين اللغة بصفتها وسيلة للتواصل، واللغة بصفتها هوية يتحدد بها مصير الإنسان وعلاقته بالغير.

مجموع التعليقات (0)