أنساب الأمازيغ : المفاخر المجهولة

عبدالله بوشطارت

في سنة 1312م كتب عالم أمازيغي كتاب سماه: مفاخر البربر. ولم يذيله بإسمه. وعرف الكتاب بمؤلف مجهول لعدة قرون. وبقي مخطوطا يتقلب في دروب النسيان ويطلع عليه فقط زمرة من المؤلفين والاخباريبن الذين ينقلون منه أخبار بلاد المغرب والأندلس خلال العصر الوسيط. إلى سنة 1934 عثر الفرنسي ليفي بروفنصال على المخطوط وتقديرا منه لقيمته التاريخية قام بنشر بعضا من أجزائه. وخرج كتاب "مفاخر البربر " إلى دائرة الضوء.

أول ملاحظة تثير انتباهنا حول هذا الكتاب، هي تعمد الكاتب اخفاء اسمه. وجعل مؤلفه مجهولا بدون اسم كاتبه. الكاتب عاش في بداية القرن 13 م في الاندلس. واختار ان يكتب عن أنساب الامازيغ ومفاخرهم في تلك الفترة الحساسة جدا. ولكن لكي نعرف لماذا أخفى اسمه، يجدر بنا طرح سؤالا آخرا هو لماذا قرر الكاتب تأليف مؤلف جامع لأخبار ومفاخر الامازيغ؟ دون غيرهم.

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب عن دواعي التأليف : "...فإنه لما كانت البربر عند كثير من جهلة الناس، أخس الامم وأجهلها وأعراها من الفضائل، وأبعدها عن المكارم، رأيت أن أذكر ملوكهم في الاسلام ورؤسائهم وأنسابهم وبعض أعلامهم وتواريخ أزمانهم......"

يتضح من خلال هذا الكلام أن المؤلف دخل صريحا في مقدمة كتابه عن دواعي التأليف حول مفاخر الامازيغ التي تتجلى في وجودة من يحتقرهم ويشيع في هجوهم واعتبارهم أخس الأمم، يعني سيادة مواقف عنصرية تجاه الامازيغ في الاندلس. وذلك ما جعل المؤلف ينهض بمواجهة تلك المواقف والكتابات بتخليد مفاخر الامازيغ.

الكتاب يقدم 72 ترجمة للعلماء والفقهاء والمتصوفة أمازيغ عرفوا في مختلف المجالات العلمية والوظيفية بالاندلس والمغرب. كما أسهب الحديث عن القادة السياسيين الامازيغ ورجال الحرب والزهاد والاثقياء. والكتاب هو عبارة عن مرافعة جادة وقيمة عن وجود الامازيغ وكرامتهم،و أفرد المؤلف فصلا عنونه ب " فصل في ذكر سبق البربر وفخرهم".

كما خصص قسطا مهما من الكتاب للحديث عن أنساب الامازيغ وأصولهم. وذكر كذلك مجمل القبائل الامازيغية الموجودة في الاندلس وبلاد المغرب خلال عصره ق 14 م. وخلق بذلك تغييرا ملحوظا في طريقة الكتابة التاريخية حيث انكب على تدوين اخبار الشعب والقبائل والمجموعات الامازيغية في وقت كان الاخباريون يكتبون فقط عن الحكام والسلاطين والملوك والعلماء. وذلك ما جعل بعض الباحثين يعتبرون أن صاحب "مفاخر البربر" مهد الارضية للمؤرخ ابن خلدون الذي جاء بعده واحدث ثورة في الكتابة التاريخية  والتنظير الاجتماعي..واخذ ابن خلدون معلومات كثيرة من كتاب المفاخر...ومن مؤلفين اخرين سابقين كتبوا في أنساب الامازيغ.

وفي الحقيقة كتب مجموعة من الامازيغ عن انسابهم وأصولهم قبل تأليف كتاب المفاخر، هؤلاء النسابون الامازيغ الذين نقل عنهم إبن حزم الذي كتب جمهرة من انساب البربر ضمن كتابه الجامع حول جمهرة أنساب العرب. كما نقل عنهم البكري وابوبكر الصنهاجي االبيدق وابن خلدون وحتى صاحب كتاب المفاخر نقل عنهم معطيات كثيرة حول أصول الامازيغ. وهذا يدل بشكل واضح أن الامازيغ اهتموا كثيرا بانسابهم وأصولهم منذ عهود قديمة قبل وبعد دخول العرب الى شمال افريقيا ومنهم على الخصوص محمد بن يوسف الوراق وسابق بن سليمان المطماطي وكهلان بن لوا الاوربي وهاني بن يصدور الكومي وعبدالله بن أبي المجيد المغيلي وغيرهم كثير ....

لكن للاسف الشديد جل كتابات ومؤلفات هؤلاء الامازيغ الذين كتبوا عن شعوبهم وقبائلهم الامازيغية وان لم نقل كلها ضاعت او تم تضييعها ولم تصلنا منها الا بعض الشذرات التي نقلها مؤلفون ومؤرخون اعتمدوا على تلك الكتب كمصادر تاريخية في كتبهم. ويرى المرحوم ازايكوا ان تلك المصادر استمرت في الوجود وكانت متداولة الى نهاية القرن 18 م حيث لم يظهر أثرها في ثنايا المصادر التاريخية. ويؤكد المؤرخ الامازيغي أن الدوافع التي جعلت الامازيغيين يهتمون بأنسابهم وتاريخهم هي وجود رأي وواقع يحتقرهم وينقص من قيمتهم. ويبدو أن هذا الموقف كان بالفعل سائدا في الاندلس كما يشير كذلك المؤرخ محمد القبلي.

حديثنا عن هذا الكتاب مفاخر البربر هو اشارة إلى  اعادة النبش والبحث في تاريخ الامازيغ بالاندلس ودورهم التاريخي في جميع المجالات والمستويات هو أيضا فرصة للحديث عن أصول العنصرية والنظرة التحقيرية تجاه الامازيغ والامازيغية ويجسد تاريخ الاندلس اهم مرحلة لفهم عقلية الهيمنة التي تسلطت على الامازيغية.

للاشارة فقد قام الاستاذ عبدالقادر بوباية بعمل كبير في تحقيق ودراسة كتاب المفاخر وتوفق في العثور على إسم مؤلفه وهو أبي علي صالح بن عبدالحليم الايلاني، وهو مصمودي من مدينة نفيس ضواحي مراكش. هذا العالم كان له وعي ثقافي صحح العديد من المغالطات حول تاريخ الامازيغ وأشار في كتابه ان البربر هم شعب يسمى بني أمازيغ وذكر الاسم الحقيقي للكاهنة أي دهية وقال أنها كانت ملكة قتلها المسلمون. كما أورد في كتابه قصة الطائر الذي كان المغرب ذيله وصدره في الشرق وقال أن هذا الطائر هو الطاووس حيث أجمل ما فيه هو ذيله.

إنها قومية مغربية مبكرة تواجه قومية العروبة.

مجموع التعليقات (0)