دور الثقافة الامازيغية في ترسيخ القيم الإنسانية (الجزء الأول)

بقلم: محمد البوتكمانتي

مما لا شك فيه ان أفريقيا الشمالية كانت وطنا للأمازيغ وما تزال كذلك، ولا يخفى علينا أن الأمازيغي هو ذلك الإنسان الذي يعشق الحرية ويضحي في سبيلها بكل ما يمتلك من قوة، وهذه الصفة يشترك فيها مع مجموعة من الشعوب الأخرى وليست حكرا عليه فقط، ثم إن الإنسان الأمازيغي كان قادرا على إبداع لغته الخاصة وهي الأمازيغية في سبيل تحقيق التواصل الذي هو أساس المجتمع وكذا تبني مجموعة من القيم التي تفرضها مختلف التعاملات داخل الإطار المجتمعي ، فقد تطور هذا الإنسان ليبدع حروفا للكتابة سماها تيفيناغ أي: ( تيفي انغ= اكتشافا)،كما يعتبر أول من كتب الرواية (الحمار الذهبي -لأفولاي-)، وقد ساهم أيضا في بناء الأهرام المصرية (شيشنق)...  لينتقل إلى إنتاج ثقافة خاصة به. وقد عرفت إفريقيا الشمالية حضارة صنعها الإنسان الأمازيغي باحتكاكه مع الشعوب الأخرى، إذ ان الحضارة وحدة متكاملة، وهي نتاج لمجهود الإنسانية جمعاء،لذلك فهي عامة، أما الثقافة فتدخل في إطار ما هو خصوصي، ونظرا لهذه العوامل كلها يمكن القول إن الحضارة الأمازيغية ساهمت في إثراء الحضارة الإنسانية بالشيء الكثير وفي شتى المجالات.

نظرا للتهميش والإقصاء الذي تتعرض له الثقافة الأمازيغية، وكذا محاولة فلكلرتها–أي:تسويق صورتها في قالب الفولكلور فقط-،   ارتأيت أن أقدم هذه المقالة لعلي أصل إلى كشف دور هذه الثقافة في ترسيخ قيم الفطرة الإنسانية.

من أجل فهم دقيق وعلمية أدق في تناولي لهذا الموضوع، لابد لي من اتباع المنهج التفكيكي لجاك دريدا وشرح المفاهيم الواردة في العنوان (دور الثقافة الامازيغية في ترسيخ القيم الإنسانية).

الثقافة:

الثقافة تشمل القيم والعادات والعقائد والفنون والفكر... التي يكتسبها الانسان من مجتمعه، أي تعتبر في بعدها التاريخي نتاجا تراكميا للإنسان عبر الأجيال، وهي ما يجعل التنوع قائما بين المجتمعات والمحدد لمدى تحضرها. للأمازيغ -كما لكل المجتمعات-ثقافة خاصة بهم، ثقافة مبنية على أسس وخصال حميدة تساهم في ترسيخ القيم الإنسانية السمحاء.

الأمازيغية:

الأمازيغية بمفهومها الشامل يقصد بها اللغة والهوية والثقافة... أي كل ما يتعلق بالإنسان في علاقته مع أرضه، لذلك يبقى التساؤل مشروعا عن أصل الأمازيغ وتسميتهم.

أصول الأمازيغ أفريقية محلية، من أفريقيا الشمالية، وموطنهم هو تامزغا أو المغرب الكبير أو شمال أفريقيا التي تمتد حتى السودان ومالي ونيجيريا والطوارق وجزر الكناري. يمكن القول إن من العبث أن يبحث لـ"بربر" عن موطن أصلي غير الموطن الذي نشأوا فيه.[1]

يعتز الأمازيغ ويفتخرون باسمهم الذي يعني: الإنسان الحر والذي لا يقبل الذل والمهانة، عكس الكلمة القدحية (بربر)، التي تعني المتوحش أو غير الحضاري...  فقد ارتبط اسم الأمازيغ بساكنة شمال أفريقيا منذ القديم ويقول محمد شفيق في هذا الصدد: "إن تسمية البربر أنفسهم بايمازيغن ضاربة في القدم، وبها عرفهم أقدم المؤرخين ..."[2]. عودة إلى التسمية القدحية (بربر)، يؤكد "شارل اندريه جوليان" أن البربر لم يطلقوا على أنفسهم هذا الاسم، بل أخذوه من دون أن يروموا استعماله عن الرومان الذين كانوا يعتبرونهم أجانب عن حضارتهم وينعتونهم بالهمج ومنه استعمل العرب كلمة برابر وبرابرة (مفرد بربري)[3]

القيم:

القيم عبارة عن مجموعة من المقاصد الحميدة التي يسعى الإنسان إلى تحقيقها في الحياة، فتعتبر هذه الأخيرة الميزان الذي تقاس به الحضارات باختلافها من بيئة اجتماعية لأخرى. وللقيم أهمية عظيمة في بناء الإنسان كفرد ومن ثمة إنتاج مجتمع قوي ومتماسك، مبني على الأخوة والتسامح واحترام الآخر والمسؤولية والمواطنة الحقة...أما المركزية الاثنية أو النزعة العرقية فتتمثل في الرفض الكامل للأشكال الثقافية، والأخلاقية، والدينية، والاجتماعية، والجمالية، البعيدة كل البعد عن القيم التي نعتنقها[4]

الإنسانية:

الإنسانية تشمل دون تمييز في العرق أو الحضارة، كل أشكال النوع البشري،وتتوقف الإنسانية عند حدود القبيلة أو الجماعة اللغوية وأحيانا عند حدود القرية، إلى الحد الذي تشير فيه أعداد كبيرة من السكان الى أنفسهم باسم يعني "الناس" وأحيانا تقول بكثير من الرصانة "الطيبون"، "الممتازون"، "الكاملون"، الأمر الذي يعني أن القبائل الأخرى، والمجموعات والقرى لا تشترك في الفضائل-وحتى في الطبيعة-الإنسانية...[5]

انطلاقا مما سبق ذكره، نستنتج أن القيم تتعدد وتختلف من مجتمع لآخر لكن تبقى في الأخير خاصية إنسانية بامتياز، فهي متعلقة بالإنسان وليس أي كائن آخر، وهي مكتسبة وتتجلى في عدة أنواع: دينية واجتماعية وسياسية... وقد حافظ الإنسان الأمازيغي -عبر التاريخ-على ارتباطه بالأرض وعلى القيم الأمازيغية (تيموزغا) المنبثقة من صميم المجتمع وقد عرف هذا الأخير مبدأ بين أفراده، انه مبدأ "ثويزا" حيث يكون هناك تعاون بين أفراد القبيلة وكذا مساعدة الغني للمحتاج.

فما القيم التاريخية المؤطرة للمجتمع الأمازيغي؟ وما المجالات التي تعنى بها؟ وهل بالفعل ترقى لمصاف القيم الإنسانية السليمة؟

إن المجتمع الأمازيغي منذ القدم كان منظما بمجموعة من القيم المؤطرة له، والتي تتدخل في تسيير شؤونه الداخلية والخارجية سواء أكانت هذه الشؤون سياسية، أم ثقافية، أم اقتصادية، أم قانونية...فالأمازيغ عاشوا عدة أزمات اقتصادية وفلاحية وكذا سياسية ولم يعيشوا قط أزمة أخلاق وقيم.

لم تكن غاية القيم الأمازيغية غير تحرر الانسان، ليعي ذاته بعيدا عن الأنا وينصهر في المجتمع الذي يبحث عن الانعتاق والإيمان بالحياة كقيمة جوهرية.

سأحاول تسليط الضوء على بعض هذه القيم، موضحا مدى تنوعها المجالي وسأقرن كل قيمة تاريخية بشخصية أمازيغية كنموذج.

الأعراف:

 استطاع الإنسان الأمازيغي تجسيد عبقريته الذهنية المغاربية من خلال وضعه للأعراف "ازرفان" المنظمة لشؤونه، فقد استطاع أن يبلور مجموعة من الأعراف التي تعتبر إبداعات إنسانية هدفها الحد من التصرفات التي تزعزع أمن السكان واستقرارهم.

كمحاولة لتعريف العرف يمكن القول إنه: مجموعة من القواعد التي تنشأ من اطراد سلوك الناس عليها زمنا طويلا مع اعتقادهم بإلزامها وبأن مخالفتها تستتبع توقيع جزاء مادي عليها[6]، وعلى سبيل المثال متى ثبت أن الزوجة قد ضحت أيام الزوجية وضربت الكد فيما استفادا معا هي وزوجها من الأموال والممتلكات بمشاركتها مثلا بكدها في أعمال "ثويزا" التي تكون في الحرث والحصاد وغيرهما وكذا بعملها في جلب الماء من السواقي والآبار وباحتطابها من الغابات والبراري، فإن الأعراف الجاري بها العمل تجعلها شريكة له في المال المستفاد[7]. من الملاحظ أن موقف العرف هنا كان أكثر إنصافا وحماية لحقوق الأسرة وأنه يقضي بحمايتها ومنحها تعويضات على ذلك أثناء انحلال الرابطة الزوجية.

عرف المجتمع الأمازيغي منذ القدم أنظمة عرفية تهم تسيير شؤون القبيلة أو اتحاد القبائل في جميع مناحي الحياة وبالخصوص في فصل النزاعات أو ما يسمى بالقضاء، لعل مؤسسة "أمغار" لخير نموذج على ذلك، حيث تعتبر هذه المؤسسة من ركائز التنظيم الاجتماعي الأمازيغي، وكان يستمد اختصاصاته وسلطاته من الجماعة التي تعينه، ويعين على رأس القبيلة وذلك لمدة قد تتراوح من سنة واحدة الى ثلاث سنوات قابلة للتجديد حسب الجهات، وعادة ما يتم ذلك من فصل الربيع الى فصل الربيع الذي يليه.[8]، أما فيما يخص الاختصاصات التي يحظى بها أمغار فإنها تتميز بالتنوع والتعدد، ويمارسها تحت الرقابة الصارمة للجماعة، وسبب هذه المراقبة يقول جورج سوردون يرجع إلى خوف "البربر" المتوارث للحكم الشخصي والشمولي[9]. هذه القرارات الصارمة في مراقبة أمغار نتيجة لتخوف ايمازيغن واحتياطاتهم من القيادة المنفردة التي تمتاز بالانفراد والتحكم في اتخاذ القرارات.

(يتبع)

-----------------------------------------------------------------------------------

1 -  محمد شفيق، ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين، ص: 20

2 -  محمد شفيق، (المرجع نفسه)، ص: 11

3 - شارل أندريه جوليان، تاريخ شمال أفريقيا، ترجمة: محمد مزالي والبشير بن سلامة، دار التونسية للنشر والتوزيع، تونس، الطبعة الأولى، سنة 1969، ص: 7.

4 - كلود ليفي شتراوس، العرق والتاريخ، ترجمة: د. سليم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، 1997م، ص: 13.

5 -  كلود ليفي شتراوس، المرجع نفسه، ص:14.

 6 - إدريس الفاخوري، مدخل لدراسة القانون الوضعي، دار النشر الجسور، 2004، ص: 19.

7 -  احمد أرحموش، القوانين العرفية الأمازيغية، (الجزء الأول) ص: 60-61.

8 - عبد الرحمان بلوش، منشورات جمعية الجامعة بأكادير، قراءة في "أزراف" الأمازيغي لأعمال الدورة الرابعة، ص226.

9 -  أحمد الدغرني، منشورات جمعية الجامعة الصيفية بأكادير، ص:55.

مجموع التعليقات (0)