هل اللغة "أداة للتواصل"؟

د. عبدالله الحلوي

كثيرا ما تُعرّف اللغة، في السياقات الأكاديمية، بأنها "أداة للتواصل". هذا التعريف يبدو بديهيا لأن خبرتنا اليومية تؤكد لنا بالفعل أننا نستعمل اللغة للتواصل فنستنتج من هذه الخبرة، إذا لم نُعمل حاستنا النقدية، أن اللغة "أداة" للتواصل. لكن إذا وضعنا وظيفة "التواصل جانبا"، فماذا سيعني أن نصف اللغة بكونها "أداة" a means, a device, an instrument؟ .. هل اللغة "أداة"؟ وإن كانت كذلك، فما معنى أن تكون اللغة "أداة"؟

من خصائص "الأداة" أن قيميتها النفعية practical value تكون دائما مقترنة بالغاية من استعمالها. ف"الهاتف"، مثلا، أداة، لأن قيمته النفعية متعلقة بكونه يوفر لنا حلا لمشكلة "التواصل عن بعد". في عالم يستطيع فيه الناس أن يتواصلوا ذهنيا بالتيليپاثي telepathy لن تكون للهاتف أية قيمة نفعية حقيقية، مما قد يعني إمكانية اختفاء الهواتف من حياة الناس. وفي عالم تستطيع أن تنتقل فيه من مكان إلى مكان آخر بمجرد أن تتخيل هذا المكان الذي ترغب في الإنتقال إليه، لن تكون لوسائل النقل نفس القيمة النفعية التي لها اليوم.

بهذا المعنى، يمكن أن نصف اللغة بأنها "أداة". فلو كانت "لغة العيون" مثلا تنقل كل المعاني التي تنقلها اللغة لما كانت هناك حاجة لاكتساب اللغة وتعلمها أصلا.

لكن ألا تنجز اللغة وظائف غير تواصلية؟ الجواب على هذا السؤال هو بالضبط ما اقترحه ”جون جاك لوسوركل“ أن يجيب عنه في كتابه The Violence of Language فالأصل في اللغة بالنسبة للسوركل ليس هو القواعد المتجانسة المتناغمة التي يحاول الأكاديميون أن يجمدوها في قوالب جاهزة، بل هو ما اعتبروه هامشيا a residue في استعمال اللغة: مختلف أنواع اللعب باللغة كالإيقاعات الغنائية، والأهازيج، والشفرات السرية ("الغوص")، وأحاجي الأطفال وألغازهم، وغير ذلك من الإستعمالات الهامشية للغة. هذه الوظائف هي البؤرة الزلزالية التي تجعل اللغة في وضعية غير مستقرة بشكل مستمر والتي تفسر التغيرات المتواصلة التي تدخل على اللغات. فالجامع هذه الإستعمالات الهامشية أن اللغة تكون غاية في حد ذاتها: نستمتع بإيقاعاتها (كما نفعل في الأهازيج)، ونلعب بإمكاناتها الدلالية (كما نفعل عندما نروي نكاتا تتضمن تلاعبا بالإلتباسات اللغوية)، وننبهر بالإستعمالات المتعددة والغنية لمفرداتها (كما نفعل في الخطابة).

التداوليات Pragamtics والسوسيو لسانيات  Sociolinguistics ساهما أيضا في نقد فكرة الطابع "الأداتي" للغة عندما سلطا الضوء على الوظائف التواصلية نفسها وبينا بأن ما نسميه "معنى" ليس سوى أفعالا كلامية تتمازج فيها "المقاصد التداولية" بشكل يتفاعل فيه الكلام مع السياق الإجتماعي تفاعلا معقدا لا يمكن اختزاله بالحديث عن شيء عام ومتجانس اسمه "التواصل". فاللغة تستعمل في فرض سلطة المتكلم على المستمع، وفي إظهار التأدّب، وفي تشويه الواقع، ولتأكيد بعض الأبعاد الإجتماعية كالذكورة أو الأنوثة، وغير ذلك من مظاهر الإستعمالات التي تجعل اللغة (اللكنة، الأسلوب، اختيار الكلمات، بناء الجمل على نحو معلوم) شيئا مرغوبا فيه أو مقلِقا في ذاته .. جميلا أو قبيحا في ذاته .. بليغا أو مهلهلا في ذاته ..

حسب علماء الأنتروپولوجيا، صناعة "الأداة" ليست خاصية من خصائص النوع الإنساني وحده. فقد ثبت بالملاحظة المباشرة أن قردة التشيمپانزي تستطيع أن تصنع من العيدان مصائد للنمل الأبيض بعد إزالة أوراقها وتبليلها باللعاب، كما تستطيع كسر حبات الجوز باستعمال الحجارة. وهذا ما يشكك في التعريف التقليدي للإنسان بصفته "صانعا للأدوات".

إلا أن ما يميز النوع الإنسان عن التشماپانزي في صناعته للأدوات أن الإنسان القديم (الإنسان الإفريقي مثلا) كان يرحل بعيدا عن الكهف الذي يخزن فيه مؤونته وما صنع من أدواته الحجرية ليبحث عن أفضل الحجارة لصناعة أدوات قطع اللحم وإزالته عن العظام. هذا يعني أن الإنسان كان  دائما (ولا يزال) يسعى إلى الإمتداد إلى ما ليس إياه من أجل استيعابه (ذهنيا بالتمثل، بيولوجيا بالميتابوليزم، وثقافيا، بصناعة الأدوات).

نستنتج من هذا أن صناعة الأدوات بالنسبة للإنسان هي نوع من أنواع التدخلات الكينونية التي تحل بها الكينونة تناقض مهمتها الرئيسية والتي هي "كون كل شيء آخر غير نفسها". فالخصائص الإرڭوميترية ergometric للآلات (أي الخصائص التي تجعل الآلة قابلة للإستعمال الآمن من طرف الإنسان، كالحجم والشكل المناسبان لقبضة اليد) والغايات النفعية لهذه الآلات هما مظهران متكاملان لمهمة الكينونة الأساسية (أن تكون كل شيء آخر غير نفسها). فكما تعكس المرآة كل العالم سوى نفسها، فالأداة هي أيضا مظهر من مظاهر عكس الإنسان للعالم في نفسه: الملعقة الخشبية مثلا  الملعقة الخشبية امتداد في الخشب (الوجود) بشكل يشبه اليد البشرية ويتناسب معها ويحقق الغايات المعيشية للنوع الإنساني كالتحكم في الطعام السائل أو الساخن. هذا التحديد ل"الأداة" بصفتها حلا من الحلول التي تستعملها الكينونة لمعالجة تعارضها مهمتها مع الحوض الوجودي الذي توجد فيه سيمكننا من قلب فهمنا للغة بصفتها "أداة".

فإذا اعتبرنا اللغة أداة للتواصل، ينبغي أن نتذكر أن هذه "الأداة" هي أنجح الأدوات في حل التعارض بين مهمة الكينونة والوجود المحيط بها. فيه ليست مجرد امتداد يُمَاهِي بين الإنسان ومحيطه، بل هي استدخال interiorization رمزي تام للعالم لا تستعمل فيه الكينونة سوى إمكانياتها الذاتية: فالأصوات صناعة للجسد، والمعاني صناعة للدماغ .. وكل الإمتدادات الخارجية، كالنظام الكتابي، هي وظائف تطورت بعد مئات القرون من استعمال اللغة بدون نظام كتابي.

وبما أن اللغة أداة مستدخلة بشكل تام، فإنها أداة تختلف عن كل الأدوات الأخرى من حيث فعاليتها ومن حيث وظائفها. فلعبنا بالكلمات، مثلا، ليست له نفس قيمة ومعنى اللعب بالملعقة، لأننا عندما نلعب بالكلمات لا نلعب بشيء غريب عنا، بل نلعب ب"أنفسنا"، أي بأداة استدخلتها الكينونة حتى صارت جزءا منها ينخرط في نفس مهمتها الأساسية، أي أن تكون كل شيء آخر غير نفسها. لذلك ف"اللعب" بالكلمات (في الأهازيج والشعر والغناء والسرد والتفكه، وغير ذلك من مظاهر التلذذ باللغة) قد يتسامى شيئا فشيئا عن كونه مجرد "لهو" إلى مستوى استعماله ل"الإحتفال" بما يكون (أي كونه كينونة تنجز مهمتها الأساسية) فيتحول بفعل ذلك إلى استعمال طقسي ritual أو شبه طقسيsemi-ritual، كما يحدث عندما نستعمل الشعر لتجييش المشاعر، والأهازيج لإذكاء الحماس، والتفكه في السخرية والنقد).

إن فهمنا للغة بصفتها أداة من نوع خاص ــ أداة تترجم بشكل مثالي المهمة الأساسية للكينونة ــ سيمكننا من تجديد فهمنا لما تسميه اللسانيات الوظيفية ب"وظائف اللغة" .. وظائف اللغة ليست مجرد غايات نفعية بل هي وظائف لأداة مستدخلة ... أداة تستعملها اللغة في مستوى من مستويات إنجازها لمهمتها الأساسية إلى أداة للإحتفال بنفسها.

مجموع التعليقات (0)