قراءة في ديوان محمد زوطي تلاس ن ْ وايُّورْ

لحسن ملواني ـ قلعة مكونة

غلاف الديوان

يبدو غلاف الديوان متنوع الألوان وفق تنوع المعطيات المكتوبة بها علاوة على ألوان اللوحة المحتلة لقلب الغلاف والتي تحمل مجموعة من الألوان الموضوعة استنادا إلى قصدية أو ترميز إلى ما يحيل عليه عنوان الديوان وموضوعاته ، لكن الترصيف والتنظيم والترتيب التي وضعت وفقها هذه المعطيات جعلتها غير مُضجرة للنظر ، بل أكسبتها ومنحتها قوة الجذب للعين ، وقد يعود ذلك إلى استعمال الألوان الباردة والساخنة في حيز ضيق يمثله غلاف الديوان.

على الغلاف معطيات يتصدرها اسم الكاتب " محمد زوطي " بخط رقيق ، يليه عنوان الديوان بالحرف الأمازيغي بلون بني أقرب إلى الحمرة ، وتحته كتابة للعنوان بالحرف العربي بلون أسود ، تحته ذات العنوان باللون الأزرق وبالحرف اللاتيني. وتحت العنوان مكررا ثلاث مرات . تأتي اللوحة التشكيلية التي أنجزها محمد سعود لتحتل أكبر مساحة على واجهة الديوان محاولة ترجمة العنوان عبر مفرداتها الرامزة والمعبرة عن رؤية المبدع وقد قرأ جزءا من محتويات الديوان أو استمع إلى خلاصة الكاتب له.

وتحت اللوحة ، وفي حيز ضيق ، كتب ما يحيل على جنس النصوص المتضمنة في المؤَلَّف " ديوان " مكتوبا بالعربية وبالفرنسية وبالأمازيغية.

أما الغلاف الخلفي فتتصدره صورة محمد زوطي ، وتحتها كلمة بصدد الشاعر ، وهي بقلم حسن أمذوغ (الناقد في الدراسات الأمازيغية)، وفيها يشير إلى كون هذا الشاعر فحلا من فحول الشعراء الأمازيغ ، خرج من رحم نفس الأرض الطيبة المعطاء التي أنجبت عظماء الشعر الأمازيغي...

إن المعطيات المشار إليها ، وفق الرؤية الإخراجية التي رصفت تبعا لها ، جعلت طبعة الديوان أنيقة تعكس كثيرا من معطيات وموضوعات قصائده التي سنحاول تقديمها في قراءتنا لها .

عنوان الديوان

يأتي عنوان الديوان مثيرا للتساؤل بناء على التناقض الصارخ بين مفردتيه ( تلاس = ظلمات) و (أيور= القمر).

ذلك أن (تيلاس) تحيل على الحزن ، على العقبات ، على الانتكاس ، على الظلم والجور ، على الحيف ، على الجهل ، على التيه والتخبط بحثا عن مخرج من كهف المعاناة ، على العوائق ذاتية كانت أو موضوعية...

أما (أيُّور) فهو المناقض القطعي للظلمات ، فهو مصدر النور، يحيل على الجمال والبهاء ، يحيل على النقاء ،يحيل على الخلاص من التعثرات، يحيل على الانعتاق ، يحيل على دفع وإبعاد المنغصات ، يحيل على السعة بدل الضيق، يحيل على الهداية والتوجيه إلى الصواب ...وآجالا فالقمر إيجابي بوظائفه ، عكس الظلمات الرامزة إلى جملة من الدلالات الحاملة لمنغصات الحياة .

إلا أن إضافة الظلمات إلى القمر (ظلمات القمر) يدفع بالقارئ ليسقط في طرح التساؤلات حول طبيعة هذا التركيب الإضافي الحامل للتناقض والمشير إلى أكثر من دلالة.

فظلمات القمر قد يقصد بها كون القمر ذاته وضمن كينونته يحمل ظلمات إلى جانب أنواره ، وقد يقصد بذلك كون القمر يواجه ظلمات تحول دون نشر أنواره كي تستفيد منها خلائق الله وفي مقدمتها الإنسان ، وقد يشير غلى كون القمر قد تصدر منه أنوار تحمل ظلمات يدركها البعض ويجهلها البعض ...

العنوان بهذه الصيغة مفتوح لدلالات وتساؤلات متعددة سنجد ما يترجمها في بعض قصائد الديوان.

موضوعات الديوان

قبل قراءة موجزة لموضوعات الديوان نشير إلى عناوين القصائد التي يحملها وهي كالتالي :

ـ ليبْدي نْ دونيتْ = بداية الدنيا.

ـ تيفوت= الفجر.

ـ كتاسْ سمُّوس.

ـ تِيلاسْ = ظلمات.

ـ تورا نْ إكْنوان.

ـ تاكوضي =

ـ تاضصا= الضحك.

ـ تاسمي غواليم = الإبرة في التبن.

ـ إسنوَتْ كْرا إكْرَا= البعض يطهو لبعض .

ـ إجَاوانْ =

ـ أكوراي= العصا.

ـ تانسنْغْبَّارتْ =

ـ تامونت = الوحدة .

ـ تيدي نُ غانيم= قدُّ القصب.

ـ أكال نْ وورغ = أرض الذهب.

عناوين مغرية للقراءة ، فهي تشير إلى عمق ثقافة الشاعر وعلاقتها بالمعجم المتداول في الحياة اليومية ، كما تشير إلى حدة موضوعات القصائد التي تحملها. ويمكن تفييء هذه العناوين إلى :

ـ فئة محيل على الظلم والاعتداء = أكوراي ـ تاسنغبارت ـ إسنوات كرا إكراـ تيلاس ـ كتاس سموس ـ تاضصا ـ تاسمي غ واليم ـ تاسغبارتْ ــ إجاوان.    

ـ فئة تحيل على الجمال والحب والتعلق = أكال ن وورغ ـ تيدي ن غانيم ـ تامونت...

ويلاحظ تعلق الشاعر بمعطيات الطبيعة وجعله لمعجمها يخدم جمالية أسلوبه باستعارته وتشبيهاته ومجازاته وصوره الشعرية المتسمة بدينامية آسرة.

يقول الشاعر في قصيدة "لديبدي ن دونيت "

امِّي كَمِّينْ دْ بابا تنقشَمْ تيفيناغْ

نقبنت إزران أورْ إيزضار يانْ أتْنتْ مْحُمونْ

يان أوزمز غ إزماز أور إفوغ لعاقلْ ناغ

يخاطب أمه وأبيه مظهرا فضلهما ، وأسفه في ذات الوقت ، وهو يتحدث عن جهودهما في حفظ الأمازيغية بمعجمها و حروفها بنقشها على الحجر بحيث يستحيل محوها، فهو يعتز بها ، ويلوم كل من يحاول تجاهل وجودها الحقيقي الذي تثبته التاريخ والآثار.

والقصيدة تبعث على الاطمئنان ، كما تبعث على وجوب إيلاء الامازيغية لغة وقيما ما تستحقه من رعاية واهتمام لكونها الحامل الصائن للهوية والملامح المميزة لثقافة الأمازيغ.  

ويقول في قصيدة " كَتاسْ سموسْ"

كّيغ كرا غْ دّونيتْ زريغت ن غرا ميك كيسنت

أور نْ سكير سْ لوصيت فلْناغ تْنْد ولي زرينينْ

كرا كيوْنء أيافكانْ سامحتاغ أور إيّ تبراّم

لعقل إلا يينْ غ إكنوانْ إيضارنْ غْ وكالْ

يقول ما معناه : عشت زمنا ، رأيت وجربت ، درست ، لكني لم أمتثل لوصايا أسلافي ، فسامحني أيها الإنسان ، عَقْلي معلق متأرجح بين السماء والأرض.

ويقول في قصيدة " إجاوان"

توسيدْ أمان أتاكوت إفرح أفلاح

إجوان أرام أجينْ أتْ سوت أكال

ساكين إكران أمود أكضاض أت يوسين

إنفالن أر سوجادن إنرارن إتافيوين

يقول ما مفاده أن المطر مُفرح للفلاح ، سيسقي أرضه ، إلا ان بذوره طارت بها الطيور ، أما الحمقى فهم مغفلون ، يهيئون ويعدون البيادر مكانا لحصيدهم.

ويقول في قصيدة " تامونت "

فيسات أيافكان صبرات أدور تلام

أغاغ فتان كراغ ميدن دان وكال

إغما روح أور ديدسن إمون

لمدرست نغ إمحضارن أور كم فيلن

زممن أدليسن س تمازيغت نغراتن

كويان د لعيلم لي دارسن إلان

يقول اصمت أيها الأنسان واصبر ، ولا تبك ،إن مات بعضنا فروحه خالدة لن تدفن معه ...مدرستنا التلاميذ لم يغادروك ، ألفوا الكتب بالأمازيغة وقرأناها ، وكل يدلي بالعلم الذي تحصَّله.

في القصيدة يدعو إلى الاتحاد والتآزر من أجل مواجهة عقبات الحياة ومتاعبها.

ولقد إيراد قراءة القصائد كلها من منطلق ترك العلاقة المباشرة بين القارئ والديوان كي يكتشف بنفسه هذه الدرر من القصائد الفائحة جمالا من حيث التصوير ، وتأثيرا من حيث تناولها بعض الهموم التي قد تشغل القارئ داخل وخارج الوطن.

وما يميز قصائد الشاعر علاوة على ما أشرنا إليه ،  إيقاعيتها الملائمة للأجواء التي ترسمها، والموضوعات المتنوعة التي تتناولها.

فنية الصياغة في الديوان

إذا اعتبرْنا الصورة الشعْرية مكوّنا أساسيا لبناء هذا الخطاب الإبداعي الجميل ، فإن الشاعر بارع في تصوير ما يعبر عنه تصويرا حسيّا حيّا ومُلفتا بمشهديته المثيرة ...تحدث عن الأزمات والمعاناة مستحضرا من مظاهر الطبيعة ومجريات الحياة ما يعمق ما يريد إيصاله إلى الجمهور مدافعا عن المحرومين والمنهكين ...

يقدم الفكرة عبر قالب إبداعي يحملك على التعاطف مع مقاساة ومعاناة المذلول والمحروم والمهان في زمن الأنانية الذي لا يرحم ولا يشفق على من لا يَهبُّ للدفاع عن حقوقه المشروعة بكل ما أوتي من قوة.

يقول في إحدى قصائده الجميلة :

نرمي تيلاس أر ن ْ سيكًيل ميك ن تيفاوين

إسوتل أوزمزاذ نكًامي أناف أغراس

ماكرسن أوسان ميدن كًان إما تاغوييت

إلكم تند يان أوزمز أورْ تْليم ألمان.

والقصائد الواردة في الديوان بلا استثناء مفعمة بصور شعرية تضفي على المشاهد التي ترسمها دينامية تجعل القارئ يستحضرها في علاقة بما تشير إليه من قضايا وهوم إنسانية ورؤاه للعالم.

مجموع التعليقات (1)

  1. essaid baba
    • 25-11-2017 08:56:37

    قراءة في تجربة محمد زوطي الشعرية ذ، السعيد بابا اذا كان الشعر الامازيغي بشقيه الشفوي و المكتوب ساهم بشكل كبير في حفظ الذاكرة، و إضفاء نوع من القــــــــــــــــــداسة على التراث الحضاري الامازيغي،فإن تجربة محمد زوطي أثثت هذا الفضاء الابداعي و الادبي بوجهات نظر اخرى، حـــــملت بين طياتها نقدا بناء لما يشهده محيطه الاجتماعي من تجاذبات، واستشرافا لمستقبل تسمو فيه انســــــــــــــــــــــــــــانية الانـــسان و يُعترف بوجوده ، وتُثمن تضحياته وبذله في سبيل كل ما هو جميل في الحياة. محاولة قراءة التجربة الإبداعية للشاعر الامازيغي محمد زوطي، تقتضي الوعي التام بالإطار الثقافي و الحضاري، الذي يؤســـــــس للرؤية الفريدة و المتمـــــــــــــــــــــــــــــــيزة للشاعر ومواقفه الايجابية مما يعتمل داخل المجتمع من صراعات و تناقضات، ليس كمتفرج من برج عال وانما كإنسان يؤثر و يتأثر ، يعيش ألام و اماني مجتمعه. فالكلمة عند الشاعر محمد زوطي تأخذ منحى مغايرا لما وُضعت له ، في انزياح تام عن المعجم، كما ان الصـــــــــــور الشعرية تشكل مجالا يعـــــــــــــــــــــــــــــكس مدى الاضطراب و القلق الذي ينتاب الانسان المعاصر في علاقته بذاته و بالآخر، مما اتاح للشـــــــــاعر خلق عالمه الشعري الخاص و ان يؤثث فضاءه بعناية تجعل هذا الاضطراب و القلق يتحول الى اتزان و هدوء، في عملية اشبه بتداع حر، وهذا ما يجعل القارئ تعتريه احاسيس بالصدمة والمتعة في نفس الان، صـــــــدمة مردها تلك الصور القاتمة التي اجاد الشاعر في رسم ملامحها و تحديد جغرافيتها، تعود لواقع مرير يئن فـــــــــي صمت مطبق، و الشاعر هنا لا يكتفي بوصف الواقع و تشــــــــــــــريحه ، بل يتجاوز ذلك الى المبادرة بطرح الحلول و اساليب الخروج من الازمة، ليتحول الى لســــــــــــــــــــــان حال الرازحين تحت وطأة الازمات و المعاناة ، اما الاحساس بالمتعة فيرجع الى طبيعة الكلمة الشعرية عند محمد زوطي، فهــــــــــي بسيطة في شكلها عميقة في دلالاتها و تأويلاتها، هي كلمة حية، تستمد حيويتها من ذات الشـــــــــــــــــــــــــاعر و كيانه، فكأنها كتبت بدمه لا بمداده، كلمة عابرة لوجوده الخاص لتغدو عالما كبيرا ،يضم كل من يحمل نفس التصور و يحلم بنفس الافق ،هي ايضا كلمة موغلة في الغربة، إذ الـــــــــــــــــشاعر يعيش غربة باعتباره يُنَظِرُ لعالم يختلف تماما عن عالمه المحسوس، اسوة بمن يحمل فــــــــــــــــــــــــــي قلبه هم التغيير الى الاحــــــــــــــــــــــسن و الافضل، فيشن بذلك معارك و حروبا ضــــــــــد الاوضاع اللاإنسانية، موظفا في ذلك لغة الرمز في امل ان تفيض وتخدم عقلية التغيير اعتقادا و سلوكا ،فهو يؤسس لرؤية رافضة لما ألت اليه اوضاع الانسان في المجـــــــــتمع المعاصر، و يتبنى نظرة استشرافية للمستقبل، تعلو فيه قيمة الانسان فوق كل اعتبار،. يتحول الشاعر محمد زوطي بهذا المعنى الى شاهد على الانسانية ، وصوت ينطق بمآــسـيها وآلامها، واحــــلامها و رؤاها، وفق منظوره هو، فيصبح بطلا و صوتا للمحرومين و المقهورين فهو من الشعراء الذين ابدعوا في تطويع اللغة الامازيغية و استنطاقها لتعبر عن مكنون نفسه احسن تعبير، و هــــــــــــذا جلي على مستوى بنية القصيدة و ما تحفل به من مضامين تجعل القارئ يسافر بعيدا الى عوالم جديدة. انها دعوة مفتوحة لثورة على الماضي و التمرد على قيوده، تحت اشعة شمس الاعتزاز بالانتماء الحـــــــــــــــــــــضاري ، ورغبة قوية في مستقبل جدير بأبنائه