لماذا سلم اويحي على الملك؟

عبدالله بوشطارت

خلق احمد اويحي رئيس الحكومة الجزائرية مفاجأة كبيرة عندما اتجه نحو الملك محمد السادس أثناء اخذ قادة ورؤساء الدول المشاركة في افتتاح القمة الافريقية الاوربية صورة جماعية تذكارية في ابيدجان عاصمة ساحل العاج. مفاجأة مثل هذه اختار لها الرجل الثاني على رأس دولة الجزائر لحظة دقيقة جدا وهي أثناء اخذ الصورة التذكارية أمام المصورين ومختلف وسائل الاعلام الحاضرة، وأيضا أمام أنظار جميع قادة الدول المشاركة في هذه القمة. ولوحظ الرئيس الفرنسي ماكرون الذي كان يتحدث مع الملك، مندهشا وهو يتابع كيف يسلم احمد اويحي على الملك بكثير من الاحترام والحرارة. إذن هي رسالة إختار لها اويحي التوقيت المناسب.

صرح احمد اويحي اثناء خروجه من اللقاء عن سبب سلامه مع الملك قال في جواب ديبلوماسي " أنه بلغ للملك تحية رئيس الجمهورية وهذا شيئ عادي بين الجيران".

وجاءت مبادرة اويحي هذه بعد ازمة ديبلوماسية حساسة وخطيرة بين البلدين الجارين بعد تصريحات غير مسؤولة من طرف وزير الخارجية الجزائري عبدالقادر مساهل يتهم فيها المغرب بالتجارة الدولية للمخدرات وغزوه لافريقيا باموال الحشيش. وهي تصريحات لا تعبر للاسف الشديد عن لغة الديبلوماسية وبعيدة جدا عن الاحترام الواجب بين الدول. ورد عليها المغرب باستدعاء السفير المغربي من الجزائر ومطالبة بالاعتذار.

إن اتجاه احمد اويحي رئيس حكومة الجزائر الى ملك المغرب والسلام عليه بادب واحترام في غضون قمة افريقية فيه نوع من اللياقة الدبلوماسية وتكفير عن خطأ وزلة لسان وزير خارجيته مساهل. ولكن في العمق يقتضي هذا الامر شيء من التحليل. ربما نرى فيه اشياء أخرى أكثر دلالة .

احمد اويحي هو أمازيغي من قبيلة ايت يني Ait Yenn التابعة الى ولاية تيزي وزو بالقبايل . في منطقة تسمى ابودرارن وهو نفس الاسم الذي يطلق على المنطقة التي ينتمي إليها سعد الدين العثماني رئيس الحكومة المغربية وعزيز اخنوش وزير الفلاحة.... ومن المفروض ان نتحدث ونتعرف عن قبيلة ايت يني هذه التي تنتمي الى حلف الزواوة الذي يتشكل من قبائل امازيغية لها علاقة بالمغرب وبالمخزن تحديدا خاصة في مرحلة المنصور الذهبي سلطان السعديين. قبيلة آيت يني ينتمي إليها كذلك الفقيه محمد المعمري مترجم السلطان مولاي يوسف ومعلم وأستاذ محمد الخامس الذي أشرف شخصيا على توليته (محمد بن يوسف) الحكم بعد وفاة والده سنة 1927. الفقيه محمد المعمري هو الذي شغل منصب وزير التشريفات طيلة سنوات حكم محمد الخامس وكان له الفضل الكبير في تعليم السلطان وترتيب الكثير من الامور في الجهاز المخزني بفعل ثقافته وتكوينه الفرنسي. محمد معمري هذا هو عم المفكر والعالم الامازيغي مولود معمري الذي ولد بتاوريرت نميمون بايت يني بالقبايل. جاء في سنة 1928 الى الرباط عند عمه الفقيه وهم طفل في عمره 12 سنة، ودرس بها اربع سنوات وعاد الى الجزائر لاستكمال دراسته ثم الى فرنسا. وعاد مرة أخرى الى الرباط سنة 1957 ومكث فيها اربع سنوات أخرى وعاد الى الجزائر، وأسس اتحاد كتاب الجزائر سنة 1963 وتقيد منصب رئاسته ولكن سرعان ما استقال منها بسبب الاختلاف الأيديولوجي مع بقية الاعضاء وتوجه الاتحاد. مولود معمري يعتبر من بين افضل الادباء العالميين. كتب روايات عالمية بالفرنسية أشهرها " الهضبة المنسية". كرس حياته العلمية خدمة للثقافة واللغة الامازيغيتين عانى كثيرا من بطش النظام الجزائري بسبب التزامه العلمي للدافع عن القضية الامازيغية. مولود معمري هو مفجر الربيع الامازيغي سنة 1980 بعد أن منعت سلطات الجزائر محاضرة كان سيتحدث فيها عن الشعر الامازيغي القديم واندلعت على اثر ذلك تظاهرات واحتجاجات كثيرة، سميت بتافسوت نامازغن. توفي سنة 1989 في حادثة سير مدبرة في منطقة عين الدفلى بالجزائر حين كان عائدا من مشاركته في ندوة علمية بمدينة وجدة. الشهيد مولود معمري يعتبر الجزائر والمغرب وطن واحد. وكان يفكر في انجاز معجم أمازيغي للغة الامازيغية المتداولة في تامازغا. (وهي ربما الفكرة التي اقتبسها منه محمد شفيق الذي كان استاذا بالمدرسة المولوية).

من قبيلة ايت ينني الامازيغية الجزائرية ومن نفس المنطقة تقريبا تاوريرت نميمون ازداد وترعرع المفكر الامازيغي العالمي محمد أركون الذي اختار أن يسكن في الدارالبيضاء بعد تقاعده من السربون وترك وصية لكي يدفن بها وبالفعل ذلك ما حصل بعد وفاته في شثنبر 2010 حيث نقل جثمانه من فرنسا ودفن في مقبرة الشهداء. وبعث الملك محمد السادس رسالة تعزية ومواساة الى زوجته المغربية.

وكثيرة هي منعطفات التاريخ التي تبين أن رموز وزعماء أمازيغ منطقة القبايل الجزائرية يكنون شعورا خاصا للمغرب حيث يعتبرونه امتدادا لنفس الوطن، وطن تامازغا . ومنها طبعا حدث هروب الشهيد الامازيغي الفنان معتوب لوناس من حرب الرمال ورفضه قتل اخوانه المغاربة سنة 1963.

نعود إلى احمد اويحي، الذي قلنا ينتمي الى هذه القبيلة التي اعطت الفقيه معمري وزير التشريفات محمد الخامس والعالم وزعيم النهضة الامازيغية المعاصرة في العالم مولود معمري ثم المؤرخ محمد أركون . فهو أي اويحي سليل أسرة أمازيغية صوفية تنتمي إلى زاوية آيت إحيى وهي فرع من الزاوية الرحمانية الذائعة الصيت في الجزائر خلال القرن الثامن عشر الميلادي اكبر الطرق الصوفية في تاريخ الجزائر أسسها الشيخ سيدي محمد بن عبدالرحمان الذي توفي سنة 1793 بقرية آيت سماعيل بمنطقة جرجورة بالقبايل ناحية تيزي وزو. وقد اختار هذا الشيخ المؤسس مريده وتلميذه وهو مغربي يدعى سيدي علي بن عيسى المغربي وكتب له وصية المشيخة بعده ووقعها مع فرقة آيت اسماعيل ومكث هذا الشيخ المغربي على رأس الطريقة المنتشرة في الجزائر اكثر من 40 سنة إلى حين وفاته سنة 1836.

ولابد أن نشير كذلك إلى أن ورد الطريقة الرحمانية يستوجب على المريدين قراءة دلائل الخيرات ليلة الجمعة أو يومها مرة واحدة في كل اسبوع . ودلائل الخيرات كما هو معروف هو كتاب القطب الشيخ سيدي محمد أوسليمان الجزولي مؤسس الطريقة الجزولية بالمغرب خلال القرن 15 م وهو ابن منطقة ايداوسملال بناحية تيزنيت ودفن بمراكش. والزاوية الرحمانية بمنطقة القبايل الجزائرية تعتبر هذا الكتاب مقدسا.

هذه شذرات واشارات سريعة عرجنا عليها لفهم اصول وخلفية نشأة رئيس الحكومة الجزائرية الامازيغي احمد ايوحيى. الذي يترأس في الحقيقة التيار الامازيغي داخل دولة الجزائر. والذي جيئ به إلى الدوائر العليا والمعقدة للسلطة والسياسة في الجزائر وتأهيله على هذا الاساس. كيف ذلك ؟

أول عمل رسمي تكلف به أحمد اويحي سنة 1975 هو ملف أزواد" إبان أزمة سياسية حادة بين أمازيغ منطقة ازواد ودولة مالي وكانت لها امتدادات في منطقة الهكار جنوب الجزائر . وتوفق في ادارتها إلى حد ما اويحي وعين بعدها مستشارا في الخارجية بسفارة الجزائر بأبيدجان سنة 1981. وعاد في سنة 1991 سفيرا إلى مالي ووسيط سياسي للجزائر لحل النزاع بين طوارق ازواد ودولة مالي في الشمال حيث تجددت سنة 91 ثورة ازواد واندلعت مواجهات كثيرة بينهم ودولة مالي.. وبفضل الجنرال فوضيل السعيدي الذي كان يمثل الجزائر عسكريا في المفاوضات امازيغ الازواد بفعل قيادته لمنطقة واركلة اقترحه لمنصب الوزير الاول في عهد رءاسة الامين أزروال من سنة 1995 الى سنة 98.

هنا بدأ احمد اويحي طريقه نحو المناصب السياسية والحكومية المهمة ويقود مركز العمليات السياسية الكبرى في عهد بوتفليقة. فهو أمين عام ثاني أكبر حزب سياسي وهو التجمع الوطني الديموقراطي. ويعد من بين اكثر الشخصيات السياسية تأثيرا اليوم في الجزائر يحظى بثقة كبيرة داخل أجهزة الدولة (الجيش والمخابرات....) تستنجد به الدولة في أوقات الازمات لما له من جرأة وقوة وتأثير.

لنفهم دوره جيدا . فالرجل بصراحة سخر كل امكانياته السياسية في الحملة الانتخابية للعهدة الرابعة لرئيس بوتفليقة حيث تم ارساله لمخاطبة ساكنة المدن الكبرى للامازيغ الفئة الاكثر معارضة ورفضا للنظام الجزائري في نسخته البوتفليقية .

احمد اويحيا الذي يتكلم كثيرا بالامازيغية وحقوقها اللغوية والثقافية كنظيره المغربي سعدالدين العثماني، جيئ به بشكل مفاجئ جدا الى رئاسة الحكومة في غشت الماضي . ومن المرجح جدا ان يخلف احمد اويحي عبدالعزيز بوتفليقة على رأس الجمهورية . كل الأمور يتم ترتيبها من أجل ذلك...

حاجة النظام الجزائري الى رئيس الجمهورية من أمازيغي قبيلة آيت يني من ناحية إبودرارن منطقة القبايل هي حاجة النظام المغربي إلى رئيس حكومة أمازيغي من ناحية إبودرارن كذلك.

هو بصريح العبارة إفلاس لفكرة العروبة.

مجموع التعليقات (0)