من 11 إلى 14 يناير من أجل تعويض عيد فئوي بعيد تاريخي

بقلم الدكتور : مصطفى قاديري*

بحلول 2968 من التقويم الأمازيغي تكاثر المطالبون بجعل فاتح يناير الأمازيغي المعروف بالفلاحي في المغرب أوالعجمي بتونس عيدا ويوم عطلة. الغريب أن لا أحد من ذوي القرار تموقف بنعم أو لا كأنه صياح في واد بلا صدى. وحتى نوفر للعديد اقتصاد براهينهم نقترح تعويض عطلة 11 يناير المرتبطة بوثيقة المطالبة بالاستقلال في 1944 بعطلة 14 يناير، اليوم الذي يوافق فاتح يناير في التقويم الأمازيغي المرتبط بالمناخ و فصوله ومنازله من جهة، وبتربع الليبيين الأمازيغ على عرش مصر وتأسيس الأسرة 22 للفراعنة من جهة أخرى. كل هذا يعني ما يعنيه لأولي الألباب....

تقتضي المصالحة مع الذات المغربية استكمال الحقيقة والإنصاف التي لا يجب اختزالها في سنوات الرصاص المرتبطة بتجاوزات الدولة في حق المواطن. تلك الدولة الوطنية التي قامت ببناء هوية وطنية يتضح اليوم أن أسسها كانت ملغومة بأيديولوجيات تبنتها النخب التي أسست للعمل الوطني خلال الاستعمار، وهي نفسها التي سيطرت على دواليب الإدارة والمؤسسات بعد الاستقلال وعلى جزء كبير من القرارات السياسية المرتبطة بالسياسات العمومية.... فأيديولوجيات العروبة التي اعتبرت كسادس ركن لإسلام جديد تفرعت عنه عوالم جديدة سميت عربي أو اسلامي أو عربي- إسلامي مصطلحات نحتت ودبجت واستنبتت في مدارسنا وإعلامنا... وأتت أكلها الذي نجد بعض أطعمه في بؤر التوتر وبلاغات الشرطة حول الخلايا المنتشرة كالسرطان في أحشاء المجتمع المغربي.

فما هي هذه الوطنية المغربية التي بدأت عملها في الميدان الفني بتمثيل مسرحية شعرية والتجول بها عبر مدن المغرب الفرنسي سنة 1933 عنوانها أميرة الأندلس لمؤلفها أحمد شوقي، يسب فيها كاتبها "العروبي" يوسف بن تاشفين المرابطي ويمجد فيها ابن عباد الطائفي الأشبيلي ؟ ما هي هذه الوطنية التي كسرت رؤوس أجيال في المدارس والصحف والتلفزة والراديو والمذكرات والشهادات و الامتحانات بأسطورة ما كان يسمى " الظهير البربري المشئوم " ؟ لقد قيل لنا أن الظهير المعلوم كان للتنصير والتفرقة وووو وترتب عنه ميلاد الحركة الوطنية التي قرأت اللطيف ضدَا في المستعمر الغاشم... الجاثم بجيوشه، يغزو منذ أمد لم يرى فيه وطنيونا ما يستوجب اللطيف.... ليقبر الظهير المعلوم اليوم، ويتناسى كأنه لم يكن، فيصبح الحدث أكذوبة من أكاذيب... فهل لنا أن نعرف شهادة الميلاد الحقيقية للحركة الوطنية إن لم يكن هناك وجود لظهير اسمه بربري ؟

إن المصالحة مع الذات تقتضي مراجعة تاريخنا لاستكمال الإنصاف حتى يجد المغاربة والمغاربيون مستقبلا كمشروع يتوخى التعدد والتودد في زمن الهويات القاتلة التي وصلت إلى نهايتها مع نهاية القرن العشرين.

ليس على هذا المنوال سنوضح أن 11 يناير لا يستوجب أن يكون عيدا وطنيا للريفي أو للصحراوي الخاضعون آنذاك للاستعمار ألإسباني، بل وحتى لمن كان خاضعا للاستعمار الفرنسي الذي وجهت له عريضة المطالبة بالاستقلال التي نحتفل بها. ففرنسا لم تكن مستقلة آنذاك لتعطينا استقلالنا، إذ لازالت في يناير 1944 تحت رحمة جيوش هتلر وصنيعته دولة فيشي....أما زعماء التحرير الفرنسي الذين وجهت لهم العريضة فكانوا لا يزالون لاجئين في الرباط والجزائر وتونس، ينتظرون تقدم جيوش الحلفاء في أوروبا وبمعيتهم تجريدة الجيش الفرنسي المكون أساسا من المغاربة يترأسهم الجنرال كيوم (صاحب نفي محمد 5 لاحقا) والجنرال جوان (الذي هيأ السياق لنفي السلطان) ... فهل أثرت وثيقة 1944 على عودة محمد الخامس من منفاه في 18 نونبر 1955، أو في إعلان استقلال المغرب عن فرنسا في 2 مارس 1956 وعن اسبانيا في الشمال في 7 أبريل 1956، أو عن اسبانيا في الجنوب في 1958 بالنسبة لطرفاية وطان طان، 1969 بالنسبة لإفني و 1975-78 بالنسبة لباقي الصحراء ؟ هل تستوجب فعلا وثيقة 11 يناير أن تكون في مصاف ذكرى ثورة الملك والشعب أو ذكرى المسيرة الخضراء أو عيد الاستقلال ؟

إذا عدنا من حيت الشكل لوثيقة 11 يناير 1944 المحتفى بها، فيتوجب التذكير أنه:

- بالإضافة إلى وثيقة 11 يناير 1944 التي قدمها عدد ممن سيؤسسون لحزب الاستقلال و التي بها نحتفل، توجد وثيقتان حررتا لنفس الهدف و بنفس الصيغ تقريبا لا يحتفل بهما. فهناك وثيقة حررها وطنيو تطوان بزعامة الطريس، ووثيقة أخرى حررها أصحاب بلحسن الوزاني الذين سيأسسون لحزب الشورى والاستقلال... دون إغفال ذكر بيان الشعب الجزائري الذي صاغه فرحات عباس في دجنبر 1942 مباشرة بعد الإنزال الأمريكي... وما لذلك من علاقة بوثيقة 11 يناير 44 التي لا يمكن اعتبارها الكل بل جزء كانت جائزته من طرف المحتل لبعض من أصحابه بالركل والرفس والسجن كما هو الشأن للحياة اليومية لمن كانوا خاضعين للحكم العسكري في الجبال و الصحاري...

- أما عدد الموقعين عن هذه الوثيقة فيعتبر ذلك إشكالية يتوجب حلها من طرف المختصين. فلائحة عدد الموقعين عن الوثيقة الرائجة اليوم هو 66 شخص. أما الوثيقة الأصلية التي نشرها حزب الاستقلال في 1944 فلا تتضمن إلا 58 توقيعا. هناك إذا خلل ما في اختلاف ألوثيقتين الأصلية و الرائجة، فكيف تخلَف 8 موقعين عن الوثيقة الأصلية، وبرزوا لاحقا في زمن يتوجب معرفة متى تدورك الأمر وكيف وأصبح، لعلنا نفهم سر من أسرار الوطنية المغربية. فالعديد من الموقعين تبوؤأ مناصب ومكاسب مادية أو رمزية بعد الاستقلال. بل قيل أن أحد موقعيها حصل على إدارة مؤسسة عمومية كبرى بعد الاستقلال تحدى رئيس الحكومة آنذاك، أي رئيسه الإداري، بأن لاحق له في السلطة عليه لأن كلاهما موقع عن وثيقة 11 يناير ويتساويان في السلطة ولو اختلفت مناصبهما.

- أخيرا وليس آخرا، يبدو أن 11 يناير كذكرى وعيد وطني لم يؤسس له مع بداية الاستقلال، بل منذ حوالي 25 سنة فقط.....و إن صح ذلك فطريق التبديل ليس بالصعب كما قد يتصور...

- للتذكير ، فكل من وقَع على وثيقة 11 يناير 1944 المطالبة بالاستقلال لفرنسا المحتلة قام بذلك بصفته الشخصية، باستثناء موقع واحد هو عبد الحميد بن مولاي احمد الذي وقَع الوثيقة بصفته كرئيس لجمعية قدماء ثانوية أزرو البيربيرية أي باسم مكتبها وأعضائها الذين ألصق بهم أحد زعماء حزب الاستقلال بعد استقلال المغرب، صفة الخونة لا لسبب إلا كونهم لم يكونوا ناسيوناليست على ذوقه بل باتريوت لم يخضع آباؤهم لفرنسا أو إسبانيا إلا بعد حروب مريرة ومدمرة بشهادة جنرالات نالوا نياشينهم في فيافي جبال الريف والأطلس المتوسط والكبير والصغير و صحاريهم.... ولكل وطنيته بترهاتها...

إن المصالحة مع الذات تقتضي مراجعة تاريخنا لاستكمال الإنصاف حتى يجد المغاربة والمغاربيون مستقبلا كمشروع يتوخى التعدد والتودد في زمن الهويات القاتلة التي وصلت إلى نهايتها مع نهاية القرن العشرين. قرن بدأ بتفكك الامبراطورية الشريفية و الإمبراطورية العثمانية (الرجلان المريضان، في الشرق و الغرب الإسلامي حسب تعابير ساسة أوربا أنداك) وما ازداد إثر ذلك من دول في شمال افريقيا والشرق الأوسط بحدود وضعها الاستعمار الذي أسس للمرجعيات الفكرية للحركات القومية والوطنية التي تصارعت حول الماضي في بنائها للمستقبل الذي نعيش فيه اليوم بويلاته. ماض مبني على أوهام وأكاذيب وتلفيق وزور بناه الفكر الاستعماري بتشعباته لأغراضه، و تبناه الوطنيون بمختلف تلاوينهم الذين تربوا في مدارس المستعمر وتبنوا متاهاته عن الأقوام والأجناس والأديان و ليزاراب وليبيربير والإيديولوجيات التي تمخضت عنها هويات وطنية فاشستية أوصلت دولا إلى أزمات وحروب شفيت منها دول وأخرى لا زالت تكتوي شعوبها بالنيران وتنتظر الخلاص من أنظمة قاتلة...

إن المصالحة بعد الدسترة هي إنصاف تمازيغت وإيمازيغن بتاريخهم وعوائدهم وأفراحهم التي هي أفراح الشعب المغربي وكل شعوب افريقيا الشمالية والساحل التي تحتفل كلها بحكوزة، ييض سكَاس أو نَاير. أما وثيقة 11 يناير فهي حدث تاريخي صحيح مشوب بنواقص لا يستحق أن يكون عيدا وطنيا... ولكي لا نعدد في العطل، نقترح تعويض عيد فئة بعيد عريق وشامل لكل المغاربة.

* أستاذ باحث، نشر كتاب : وطنية باحتقار الذات،

مجموع التعليقات (0)